أبي منصور الماتريدي

4

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل : أيعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم على الاستئناف ، كانوا يعجبون من ثلاث : من إنزال القرآن على رجل منهم يعجز الخلائق عن إتيان مثله ، ويعجبون من الوحي إلى رجل منهم وإرساله رسولا من بين الكل أو من البشر ؛ كقوله : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] ؛ وكقوله : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا . . . [ ص : 8 ] ، وكانوا يعجبون من البعث ؛ كقولهم : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً . . . الآية [ ق : 3 ] . ثم يحتمل قوله : إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أي : من البشر ، أي : لا تعجبوا أن أوحينا إلى رجل من البشر ؛ فإن الإيحاء إلى من هو من البشر أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر ، وأقرب إلى الرأفة والرحمة ؛ لأن البشر يعرفون خروج ما هو خارج عن طوق البشر ووسعهم ، ولا يعرفون ذلك من غير جوهرهم وغير جنسهم ، ويألف كل جنس بجنسه وكل جوهر بجوهره ، ولا يألف غير جوهره ولا غير جنسه ، فإذا كان ما وصفنا كان بعث الرسول من جنس المبعوث إليهم وجوهرهم أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر ، وأقرب إلى الرأفة والرحمة . ويحتمل قوله : أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أي : من الأميين ، أي : لا يعجبون « 1 » أن أوحينا إلى رجل منهم ، أي : أمي فإن ذلك أبلغ في التعريف والحجاج ؛ لأنه بعث أميّا لم يعرفوه بدراسة الكتب المتقدمة أو تلاوة شيء منها ، ولا عرفوه اختلف إلى أحد منهم في تعليم كتبهم ، ولا عرف أنه كتب شيئا ولا « 2 » خط خطا قط ، ثم أخبر عما في كتبهم على موافقة ما فيها ، وكانت كتبهم بغير لسانه ؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى ؛ فذلك أبلغ في إثبات الرسالة والحجاج ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ : قال بعضهم : الإنذار يكون في كل مكروه مرهوب ، والبشارة في كل محبوب مرغوب . وقال بعضهم : أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ يعني : الكفار بالنار . وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ثم اختلفوا في قوله : قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ : قال بعضهم : إن لهم الجنة عند ربهم . وقيل : إن لهم الأعمال الصالحة يقدمون عليها « 3 » .

--> ( 1 ) في ب : تعجبوا . ( 2 ) في أ : أو . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 527 - 528 ) ( 17545 ) عن مجاهد ، و ( 17546 ) عن ابن عباس . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 535 ) وعزاه لابن جرير عن ابن عباس .