أبي منصور الماتريدي
387
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 24 إلى 27 ] أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 ) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ تَرَ . قد ذكرنا أن كلمة أَ لَمْ تَرَ حرف تنبيه عن عجيب كان بلغه ؛ فغفل عنه ، أو تنبيه عن عجيب لم يبلغه . وقال أبو بكر الأصم : هي كلمة يفتتح بها العرب عند الحاجة ؛ يقول الرجل لآخر : ألم تر إلى ما فعل فلان ؛ ونحوه . هذا يحتمل في غيره من المواضع وأما في هذا فإنه غير محتمل . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قيل : بين الله مثلا وأظهر . كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ . قال أبو بكر الكيساني : كَلِمَةً طَيِّبَةً : هو هذا القرآن ، كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ : هي الكتب التي أحدثها الناس ، شبه القرآن بالشجرة الطيبة ؛ وهي النخلة ؛ على ما ذكر ؛ إن ثبت ، أو كل شجرة مثمرة . وشبه الكتب التي أحدثها الناس بالشجرة الخبيثة ؛ وهي التي لا تثمر . وقال : إنما شبه القرآن بالشجرة الطيبة ؛ لأن الشجرة الطيبة هي باقية إلى آخر الدهر ؛ ينتفع بها الناس بجميع أنواع المنافع ، لا يقطعونها ؛ فهي تدوم وتبقى دهرا ، فعلى ذلك القرآن ينتفع به الناس وهو دائم أبدا . وقوله - عزّ وجل - : أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ . أصلها ثابت لها قرار ، فعلى ذلك : القرآن هو ثابت بالحجج والبراهين ؛ والكتب التي أحدثها أولئك هي باطلة فاسدة ؛ لا حجة معها ولا برهان ؛ كالشجرة الخبيثة التي هي غير مثمرة ؛ لا بقاء لها ولا قرار ولا ثبات . وقال بعضهم « 1 » : الكلمة الطيبة : هي الإيمان والتوحيد ؛ شبهها بالشجرة الطيبة ؛ وهي التي تثمر وتنمو وتزكو هي على ما وصفها - عزّ وجل - في قوله : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ، فعلى [ ذلك ] « 2 » الإيمان والتوحيد لا يزال يثمر لأهله الخيرات والأعمال
--> ( 1 ) قاله الربيع بن أنس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20660 ) . ( 2 ) سقط في أ .