أبي منصور الماتريدي

388

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الصالحات ؛ كالشجرة التي وصفها أنها تؤتي أهلها أكلها في كل حين وكل وقت ، أصلها ثابت بالحجج والبراهين ، وفرعها في السماء ، في كل وقت يرتفع ويصعد به العمل إلى السماء . و [ الكلمة ] « 1 » الخبيثة : هي الكفر ؛ لأنه لا منفعة لأهلها فيها ، إذ لا عاقبة له ولا حجة معها ولا برهان ، إنما شيء أخذوه عن شهوة وأمانيّ ، فكان كالشجرة الخبيثة التي لا ثمرة لها ، ولا منفعة لأحد فيها ، فهي لا تبقى ولا تدوم . فذلك قوله : اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ . ويشبه أن يكون ضرب المثل لغير هذا المعنى ؛ وهو أنه ذكر جواهر طيبة وجواهر خبيثة ؛ مما يقع عليها الحواس ويقع عليها البصر ؛ ليكون كل جوهر من هذه الجواهر التي يقع عليها الحواس ؛ ويقع عليها البصر - من خبيث أو طيب - دليلا وشاهدا على ما غاب عن الخلق ؛ ولا يقع عليها الحواس . وهكذا جعل الله تعالى هذه المحسوسات والأشياء الظاهرة - دليلا وشاهدا لما غاب عنهم ؛ ولا يقع عليه الحسّ ، تدرك بالعقول التي تركب فيهم ؛ ليرغب الطيب ؛ مما يقع عليه الحسّ والبصر ؛ على الموعود الغائب ، ويحذر الخبيث المحسوس عما غاب وأوعد ، وكذلك هذه الآلام والأمراض والشدائد التي جعل في هذه الدنيا ؛ لتزجرهم عن الأفعال التي بها يستوجبون مثلها في الآخرة ، وكذلك النعم التي في الدنيا واللذات ، جعلها لتدلهم على النعم الدائمة . على هذا يجوز أن يخرج لا أنه أراد بالشجرة الطيبة الشجرة نفسها أو بالشجرة [ الخبيثة الشجرة ] « 2 » نفسها ولكن ما وصفنا . والله أعلم بذلك . وقال قائلون « 3 » : ضرب الله مثل الشجرة الطيبة مثلا للمؤمن ؛ هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء كل يوم ؛ فكما تؤتي الشجرة أكلها كل حين كذلك المؤمن يعمل لله في ساعات الليل والنهار « 4 » .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) قاله ابن عباس وعطية العوفي والربيع بن أنس ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 20662 ، 20663 ، 20664 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 142 ، 143 ) . ( 4 ) كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق ، فإذا تكلم بها عرجت ، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله - عزّ وجل - قال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] . ووصف الشجرة بكونها طيبة وذلك يشمل طيب الصورة والشكل والمنظر ، والطعم ، والرائحة والمنفعة ويكون أصلها ثابتا ، أي : راسخا آمنا من الانقطاع ، والزوال ويكون فرعها في السماء ؛ لأن ارتفاع الأغصان يدل على ثبات الأصل ، وأنها متى ارتفعت كانت بعيدة عن عفونات