أبي منصور الماتريدي

383

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً أي : يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء ؛ وكأنهم لم يكونوا يعلمون ؛ قبل ذلك . وقوله - عزّ وجل - : فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ . قال قائلون « 1 » : قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا : أي : دافعون عنا من عذاب الله ؛ إذ كنّا لكم أتباعا وأنتم متبوعين ؛ فادفعوا عنا ذلك . لكن هذا بعيد ؛ أن يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب ؛ فلو قدروا على دفع [ ذلك ] « 2 » عنهم ؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم ؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى ؛ كما كان في الدنيا ، فللحيرة ما قالوا ؛ كقوله : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى . . . [ الإسراء : 72 ] . والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم ، وتحمل بعض لأن مئونة الأتباع في العرف يتحملها المتبوع ؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل بهم ؛ وهو ما ذكر في آية أخرى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ [ غافر : 47 ] طلبوا منهم تحمل بعض ما حلّ بهم . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ . قال بعض أهل العلم : إن الكفرة جميعا - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية الله من المعتزلة ؛ لأنهم قالوا : لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ علموا أن الله - عزّ وجل - لو هداهم لاهتدوا ؛ ويملك هدايتهم ، والمعتزلة يقولون : قد هدى الله جميع الكفرة وجميع الخلائق ؛ فلم يهتدوا ، وأنه لو أراد أن يهدي أحدا لم يملك ، والكفرة - حيث قالوا : لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ رأوا وعلموا أن الله لو هداهم لاهتدوا ؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم لَهَدَيْناكُمْ ، [ وكذلك ] « 3 » قال إبليس : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي [ الحجر : 39 ] أضاف الإغواء إليه ؛ وهم « 4 » يقولون : لا يغوي الله أحدا ، فإبليس [ أعلم بهذا ] « 5 » من المعتزلة . وقولهم : لَوْ هَدانَا اللَّهُ أي : لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم ؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا . وقال أبو بكر الأصم : تأويل قولهم : لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ : لو كان الذي كنا عليه

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 7 / 432 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : وهو . ( 5 ) في ب : بهذا أعلم .