أبي منصور الماتريدي
384
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
هدى لهديناكم ؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل ؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع [ أن ] « 1 » الأتباع ؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى ؛ فلا معنى لهذا . وقوله - عزّ وجل - : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ . قال أهل التأويل « 2 » : إنهم قالوا فيما بينهم : تعالوا حتى نجزع لعل الله يرحمنا ؛ فجزعوا حينا ؛ فلم يرحموا ، ثم قالوا : تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا ؛ فلم يرحموا ؛ فعند ذلك قالوا : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار ، لكن كأنهم قالوا ذلك بالذي سمعوا ؛ وهو قوله : فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 16 ] ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ أي : منجى ومخلص ، لا يحتمل أن يقولوا : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ في أول أحوالهم وأمورهم ، ولكن يحتمل ما ذكر أهل التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ . قال بعضهم « 3 » : قُضِيَ الْأَمْرُ : أي : أدخل أهل الجنة الجنة ؛ وأهل النار النار ؛ يقوم إبليس خطيبا في النار ؛ فخطب كما ذكر . وقال قائلون : قُضِيَ الْأَمْرُ أي : ميّز وبيّن أهل الجنة من أهل النار ؛ قبل أن يدخل أهل النار النار ؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيبا فخطب لأتباعه كما ذكر . ويحتمل قوله : لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي : لما فرغ من الحساب ومن أمرهم ؛ عند ذلك يخطب ؛ ما ذكر ؛ وهو كقوله : فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ الأحقاف : 29 ] أي : لما فرغ من السماع ؛ فعلى ذلك هذا . وقال بعضهم : لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي : لما نزل بهم العذاب . ويشبه أن يكون قوله : لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ هو أن الله كان وعد أن يقوم إبليس خطيبا لهم ؛ فقضى الأمر ؛ أي : أنجز ما وعد ؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة ؛ كقوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ؛ وكقوله : فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ . . . الآية [ المجادلة : 18 ]
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قاله محمد بن كعب وابن زيد أخرجه ابن جرير عنهما ( 20640 ، 20641 ) . ( 3 ) قاله ابن جرير ( 7 / 433 ) .