أبي منصور الماتريدي

378

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : لا ؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديدا ؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم من غير أصل . وقوله : وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ويحتمل : يسقى من ماء في ظنهم ماء ؛ وهو في الحقيقة صديد . ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديدا ؛ لكن يشربون ؛ رجاء أن يدفع عطشهم . وقوله - عزّ وجل - : يَتَجَرَّعُهُ . قال أبو عوسجة : التجرع : ما يشربه مكرها عليه . وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ . يقال : أسغته : أي : أدخلته في الحلق ؛ يقال : أسغته [ فساغ ، أي : دخل سهلا من غير أن يؤذيه ، وكذلك قيل في قوله : سائِغٌ شَرابُهُ [ فاطر : 12 ] أي : سهل في الحلق ] « 1 » وساغ في حلقه ؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه . وقوله - عزّ وجل - : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ . قال قائلون : يأتيهم الغمّ والهم من كل مكان ، وكذلك المتعارف في الخلق : إذا اشتد بهم الغم والهم والشدة ، يقال : كأنك ميت ؛ أو تموت غمّا . وقال بعضهم : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ أي : أسباب الموت ؛ ما لو كان من قضائه الموت فيها - لماتوا ؛ لشدة ما يحل بهم ، ولكن قضاؤه ؛ ألا يموتون فيها « 2 » . وَما هُوَ بِمَيِّتٍ موت حقيقة يستريح من العذاب .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) واعلم أن الموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة : فمنها : ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات ، كقوله تعالى : يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الحديد : 17 ] . ومنها : زوال القوة العاقلة ، وهي الجهالة ، كقوله تعالى أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] ، إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ النمل : 80 ] . ومنها : الحزن والخوف المكدران للحياة ، كقوله تعالى وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [ إبراهيم : 17 ] . ومنها النوم ، كقوله تعالى - عزّ وجل - : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر : 42 ] . وقد قيل : النوم : الموت الخفيف ، والموت : النوم الثقيل ، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل ، والسؤال ، والهرم ، والمعصية ، وغير ذلك ، ومنه الحديث : « أول من مات إبليس ؛ لأنه أول من عصى » . وحديث موسى - صلوات الله وسلامه عليه - حين قال له ربه : « أما تعلم أن من أفقرته فقد أمته ؟ » . ينظر : اللباب ( 11 / 360 ) .