أبي منصور الماتريدي

375

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه ؛ لكنهم كانوا قوما معاندين مكابرين لا يقبلون قولهم ولا يصدقونهم ؛ تعنتا منهم وتكبّرا ، لم ينظروا في خلق الله ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته ؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات ؛ لئلا يكون لهم مقال واحتجاج ، وإن لم يكن لهم الاحتجاج . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي . . . الآية . قوله - تعالى - ذلك يحتمل وجوها ؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث ؛ ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك . أحدها : قوله : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فيحتمل قوله ذلك : المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد . وسبق أيضا قوله : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ أي : ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها ؛ أي : ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد . وسبق أيضا : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ . . . الآية أي : ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف [ مقامي وخاف ] « 1 » وعيد . ثم قوله : ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ قال بعضهم : خاف مقامي في الدنيا والآخرة ، وتأويله - والله أعلم - أي : خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة ، أمّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه ، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة . وقال بعضهم : خاف مقامي في الآخرة ؛ وهو كقوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين : 6 ] يخاف ذلك المقام ، وخاف ما وعد من العذاب في النار . ثم قوله : مَقامِي حيث أضاف إليه ، ليس في الاشتباه بأقل من قوله : اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] ؛ وأقل من قوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ [ الفجر : 22 ] وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ . . . الآية [ البقرة : 210 ] وأمثاله ؛ فكيف اشتبه هذا على [ أهل ] « 2 » التشبيه ؛ ولم يشتبه قوله : مَقامِي ؛ حيث سألوا في ذلك ؛ ولم يسألوا في هذا ؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه ؛ فليس بأقل ، والأصل في هذا وأمثاله ؛ من قوله : إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ غافر : 3 ] إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [ الأنعام : 60 ] وَإِلَيْهِ مَآبِ [ الرعد : 36 ] و مَآبِ [ الرعد : 30 ] ذكر هذا ؛ وإن كان الخلائق جميعا في الدارين جميعا - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه ؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا « 3 » والدوام فيها ؛

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : الدارين .