أبي منصور الماتريدي
376
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إنما خلقهم للزوال عنها والفناء ، والمقام في الآخرة والدوام فيها ؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها ؛ ثم يصيرون إلى دار المقام ، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا ؛ لا الدنيا ؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه ، لما هو المقصود في خلقهم ؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه ، غير غائبين عنه طرفة عين ؛ ولا فائتين ، وبالله النجاة . ذكر الله - عزّ وجل - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم ؛ وأنباء أعدائهم ؛ وما عامل بعضهم بعضا ، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب والاستئصال وأنواع البلايا ، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على أعدائهم ؛ والظفر بهم ، والتمكين في الأرض ، وجعل ذلك كله كتابا بالحكمة ؛ يتلى ليعلم ؛ [ أن كيف ] « 1 » يعامل الأعداء والأولياء ؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء ؛ وليعلموا أن كيف عامل الله رسله وأولياءه ، وكيف عامل الرسل ربّهم ، أضاف الرسل جميع ما نالوا « 2 » من الخيرات والكرامات إلى الله ؛ كأن لا صنع لهم في ذلك ؛ حيث قالوا : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، ذكر قوله : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر ؛ ولكن بفضل من الله تعالى وبرحمته ، وقوله - عزّ وجل - : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وأمثاله ، أضافوا ذلك إليه ؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك . وذكر الله - عزّ وجل - ما أكرم أولياءه ورسله ؛ من النصر والتمكين والإنزال في الديار ، كأنهم استوجبوا ذلك بفعل كان منهم ؛ وهو قوله : ذلِكَ أي : ذلك النصر والتمكين ، وما ذكرنا من الوجوه لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ذكر أنهم « 3 » استوجبوا ذلك ، لا أن كان ، ذلِكَ من الله بحق إفضاله وامتنانه ؛ ليعلموا معاملة الله رسله وأولياءه ، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاسْتَفْتَحُوا . يحتمل وجهين : أحدهما : الاستنصار ؛ استنصروا الله على أعدائهم ؛ كقوله : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 89 ] أي : يستنصرون .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : تأتونا . ( 3 ) في ب : كأنهم .