أبي منصور الماتريدي
371
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يجعل له أجلين ؛ وهو عالم بما يكون ؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون منه ؛ في الوقت الذي جعله ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا . في قولهم تناقض من وجهين : أحدهما : أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم ؛ لأنهم بشر مثلهم ؛ [ ثم أطاعوا آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام ، وهم بشر مثلهم ] « 1 » حيث قالوا : تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فذلك تناقض في القول . والثاني : أنهم لم يروا الرسل متبوعين ؛ [ لأنهم ] « 2 » بشر ثم لا يخلوهم بأنفسهم من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم ، أو كانوا أتباعا لغيرهم ؛ حيث قالوا : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] فذلك تناقض في القول . فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ . سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية الله تعالى وربوبيته ، أو على ما ادعوا من الرسالة من الله ، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية الله وألوهيته ، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد ، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة ؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة ؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك ، أو يكون عند إتيانها هلاكهم ؛ فأجابهم الرسل فقالوا : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي : ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بها هلاككم ؛ إنما ذلك إلى الله : إن شاء فعل ؛ وإن شاء لم يفعل . وقوله : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . أي : ما نحن إلا بشر مثلكم ، [ ولكن الله يمن على من يشاء ، في دلالة ] « 3 » رد قول الباطنية ؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية ؛ ويقولون : إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية ؛ فهم - صلوات الله عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم ؛ حيث قالوا لهم : ما أنتم إلا بشر مثلنا ؛ وقولهم : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لم يذكروا شيئا سوى البشرية ؛ فدل أن قول الباطنية باطل ؛ حيث قالوا : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ .