أبي منصور الماتريدي
372
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيه دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : إن الله لا يختص أحدا بالرسالة ؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة ؛ وهم صلوات الله عليهم ؛ لم يذكروا سوى منة الله عليهم ، دل أنه يمن عليهم ويختصهم ؛ لا بشيء [ من الاستحقاق و ] « 1 » يكون منهم من الأعمال ؛ ولكن بالمنة « 2 » والفضل منه عليهم . وقوله - عزّ وجل - : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . هو ما ذكرنا : الإذن موضوعه الإباحة ، هو مقابل الحجر ؛ لكن الإذن المذكور في القرآن ليس كله على وجه واحد ؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق « 3 » به ، قال الله تعالى : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 251 ] أي : بنصر الله ؛ لأن الهزيمة هي موضع النصر ؛ تحمل عليه ، وقال : وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 49 ] أي : بإنشاء الله ؛ [ فعلى ذلك الإذن هاهنا ؛ حيث قال : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي : بإنشاء الله ] « 4 » السلطان وإجرائه على أيدينا . ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره . ويحتمل الإذن هاهنا الأمر ؛ أي : بأمر الله نأتي أي : إن أمرنا الله بذلك نأتى به . وقوله - عزّ وجل - : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم ؛ فقالوا : على الله يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم . وقوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : على الأمر ؛ أي : على الله توكلوا أيّها المؤمنون ؛ في جميع ما يتوعدكم أهل الكفر ؛ وفي جميع أموركم . ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على الله ، [ وبه يعتمدون ] « 5 » في جميع أمورهم ؛ ومنه يرون كل خير وبرّ ، لا بالأسباب التي لهم ولا يرون منها . وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب ؛ ومنها يرون كل سعة وخير . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ . كأن هذا يخرج على إثر جواب كان منهم ؛ لما قال الرسل : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : المنة . ( 3 ) في أ : يتعلق . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : ويعتمدون به .