أبي منصور الماتريدي

35

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يجزي بمثلها ، وأما جزاء الإحسان والخير طريق وجوبه [ الإفضال والإحسان ليس طريق وجوبه ] « 1 » الحكمة ، إذ سبق من الله ، إلى كل أحد من النعم ما ليس في وسعه القيام بمكافأة واحدة منها عمره وإن طال واجتهد كل جهده ، فضلا أن يستوجب قبله جزاء ما كان منه من الخيرات . وقوله : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ : هو ما ذكرنا من آثار السيئات التي عملوها في الدنيا ذلا وهوانا لهم ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ، وذلك أنهم - والله أعلم - كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن يكونوا [ لهم شفعاء ] « 2 » عند الله ، فأخبر أن ليس لهم من عذاب الله مانع يمنع ذلك عنهم ؛ كقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ . وقوله - عزّ وجل - : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قيل : ألبست « 3 » وأغطيت قطعا مثقلا ومخففا قطعا ، قيل : القطع بالتثقيل هو جمع القطعة ، والقطع بالتخفيف جزء من الليل ، يقال : سرنا بقطع من الليل ، أي : بجزء من الليل ، وقوله : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [ هود : 81 ] أي : بجزء منه ، والله أعلم . ثم شبه وجوههم بظلمة الليل ، ولم يشبه بسواد الوجوه على ما يكون من سواد الوجوه في الدنيا ؛ فذلك - والله أعلم - أن سواد الوجوه على ما يكون في الدنيا لا يبلغ من القبح غايته ؛ إذ قد يرغب من كان جنسه ونوعه في ذلك ويحسن ذلك عنده ، فإذا كانت الرغبة قد تقع لبعضهم في بعض لم يبلغ في القبح نهايته « 4 » ، وأما ظلمة الليل : فإن الطباع تنفر عنها ، ولا تقع الرغبة فيها بحال ؛ لذلك شبه وجوه أهل النار بها ، والله أعلم .

--> - وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي : هوان وتحقير ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي : ما لهم عاصم من الله في الدنيا ، ولا في الآخرة ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ أي : ألبست وجوههم ، قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً والمراد : سواد الوجه . وقال حكماء الإسلام : المراد من هذا السواد : سواد الجهل ، وظلمة الضلالة ؛ فإن العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة . وقيل : المراد بقوله : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ : الكفار ؛ لأن سواد الوجه من علامات الكفر ؛ قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ آل عمران : 106 ] ، وقال : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ . تَرْهَقُها قَتَرَةٌ . أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 40 - 42 ] . وقال القاضي : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ عام يتناول الكافر والفاسق . وأجيب : بأن الصيغة وإن كانت عامة ، إلا أن الدلائل التي ذكرناها مخصصة ، ثم قال : أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . ينظر اللباب ( 10 / 313 ) . ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : شفعاء لهم . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 351 ) ، وكذا ابن عادل في اللباب ( 10 / 313 ) . ( 4 ) في أ : غايته .