أبي منصور الماتريدي

36

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً : قال أهل التأويل : يعني العابد والمعبود الذين عبدوا دونه ، ولكن نحشر الخلائق جميعا . ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ . وقوله - عزّ وجل - : مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ هذا الحرف هو حرف وعيد ؛ يقال : مكانك أنت ، كذا وإن كان هذا الحرف يجوز أن يستعمل في الكرامات وبر بعضهم بعضا ، ولكن إنما يعرف ذا من ذا بالمقدمات ، فما تقدم هاهنا يدل أنه لم يرد به الكرامة ، ولكن أراد به الوعيد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ قيل « 1 » : فرقنا بينهم [ وميزنا بينهم ] « 2 » ، أي : بين العابد والمعبود . ثم يحتمل التفريق بينهم وجوها : أحدها : فرقنا بينهم في الحساب مما عمل ومما صحب . والثاني : يحتمل فرقنا بينهم لما طمعوا بعبادتهم إياها والشفاعة أن يكونوا لهم شفعاء عند الله ، ففرق بينهم في الشفاعة . ويحتمل فرقنا بينهم فيما ضل عنهم ما كانوا يفترون ، فصار ما عبدوا ترابا وهم في النار . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ : يحتمل قوله : شركاؤهم : سماهم شركاء وإن لم يكونوا [ شركاء في الحقيقة ] « 3 » لما عندهم أنهم شركاء ؛ كما سمى الأصنام آلهة لما عندهم أنها آلهة . والثاني : شُرَكاؤُهُمْ لما أشركوها في العبادة فهم شركاؤهم ، والله أعلم . وقوله : وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ : ينطق الله تعالى [ يوم القيامة هذه الأصنام ] « 4 » وإن لم يكن في خلقتها النطق في الدنيا ؛ كقوله : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها [ الزلزلة : 4 ] ، وقوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ . . . الآية [ النور : 24 ] ، أنطقهم ليشهدوا عليهم . وقوله : ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ : يحتمل الملائكة أن يكونوا هم الذين أنكروا ؛ لأن منهم من يعبد الملائكة ، أنكروا أن يكونوا يعبدونهم ؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون عبادة إذا كان من المعبود أمر بها ، وكانت عبادتهم الأصنام عبادة للشيطان لأنه هو الآمر لهم بالعبادة

--> ( 1 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 555 ) ، وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 352 ) ، وابن عادل في اللباب ( 10 / 315 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : في الحقيقة شركاء . ( 4 ) في ب : هذه الأصنام يوم القيامة .