أبي منصور الماتريدي

337

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ما متعوا في هذه الدنيا - عند متاع الآخرة كأنهم ما متعوا بها إلا ساعة ؛ فعلى ذلك قوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ، وهو ما ذكر في موضع آخر : فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [ التوبة : 38 ] عند متاع الآخرة ؛ لأن متاع الآخرة ونعيمها دائم متصل غير منقطع ؛ لا يشوبه آفة ولا حزن ولا خوف ، ومتاع الدنيا منقطع غير متصل ؛ مشوب بالآفات والأحزان ؛ لذلك كان قليلا عند متاع الآخرة ونعيمها . وقال بعض أهل التأويل : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ أي : إلا لهو وباطل لكن الوجه فيه ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ . يحتمل سؤالهم الآية أنفس الآيات التي أتت بها الرسل من قبل قومهم ، أو سألوا آيات سموها ، كقوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا . . . الآية [ الإسراء : 90 ] أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ . . . [ الإسراء : 93 ] إلى آخر ما ذكر من الآيات ، سألوها منه ، أو سألوه آيات تضطرهم وتقهرهم « 1 » على الإيمان ؛ كقوله : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] . وفيه دلالة أنه « 2 » لو شاء لأنزل عليهم آيات ؛ لآمنوا كلهم بها ، واهتدوا ، وعنده « 3 » أشياء لو أعطاهم لكان ذلك سبب اهتدائهم وتوحيدهم ؛ وكذلك لو أعطى أشياء لكان ذلك سبب كفرهم جميعا ؛ كقوله : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ . . . الآية [ الزخرف : 33 ] لكنه لا ينزل الآية على شهواتهم وأمانيهم ، ولكن ينزل أشياء ؛ تكون عند النظر والتأمل « 4 » حجة ؛ فمن تأمّل فيها وتفكّر لاهتدى وآمن بالاختيار ، ومن أعرض عنها ولم يتفكر ضل وزاغ بالاختيار . ويحتمل قوله : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً [ الشعراء : 4 ] أي : [ إن نشأ ] « 5 » إيمانهم واهتداءهم ننزل عليهم آية ، وذلك تأويل قوله على أثر سؤالهم الآية . قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ . أي : ينزل من الآيات ما يهتدي بها المنيب إليها والمقبل ، ويضل « 6 » المعرض عنها ؛

--> ( 1 ) في أ : وتقررهم . ( 2 ) في أ : آية . ( 3 ) في أ : هذه . ( 4 ) في أ : التأويل والنظر . ( 5 ) في أ : يشأ . ( 6 ) في أ : ويضر .