أبي منصور الماتريدي
325
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لأنه في الظلمة ، والمؤمن كالبصير ؛ لأن معه الدلائل والحجج . وقوله - عزّ وجل - : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ . أي : بل جعلوا لله شركاء في العبادة ؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعا إن عبدوها ولا ضرّا إن تركوا العبادة لها . وقوله : خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ . أي : خلق هؤلاء الأصنام ؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته ؛ كخلق الله ؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام ؛ أي : عرفوا أنها لم تخلق شيئا كما خلق الله ؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته ؛ وهم كأنهم قد أقروا أن الله هو خالق كل شيء ؟ وهذا ينقض على المعتزلة قولهم ؛ حيث قالوا : إن الله لم يخلق أفعال العباد « 1 » ولا يقدر على خلقها ؛ فإذا كان الله لم يخلقها ؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم . والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ في السماوات والأرض وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ . أي : كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه ، والأصنام التي تعبدونها مقهورة مغلوبة . وقوله - عزّ وجل - : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً . . . إلى آخر ما ذكر من الأمثال ؛ إلى قوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ . قال بعض أهل التأويل : هذا مثل ضربه الله لليقين والشك ؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها : فأمّا الشك فلا ينفع منه عمل ، وأما اليقين فينفع الله به أهله ، وهو قوله : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً [ وهو الشك ] « 2 » ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وهو اليقين ، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار ؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك ؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنه « 3 » .
--> ( 1 ) في أ : الخلق . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 20310 ، 20311 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، كما في الدر المنثور ( 4 / 103 ) .