أبي منصور الماتريدي

326

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال قتادة : قوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الصغير بصغره والكبير بكبره . فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً يقول : رابيا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً والجفاء : ما يتعلق بالشجر من الزبد ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ؛ فضرب المثل للحق والباطل . يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد ؛ الذي ظهر فوق الماء ؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته ، كذلك يضمحل الباطل عن أهله ؛ كما اضمحل هذا الزبد ؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض ، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك ، وأخرجت له نباتها ؛ كذلك يبقى الحق لأهله ؛ كما بقي هذا الماء في الأرض . وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يقول : يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار ؛ وذهب خبثه ؛ كذلك يبقى الحق لأهله . أَوْ مَتاعٍ يعني هذا الحديد والصفر « 1 » الذي ينتفع به ؛ وفيه منافع ، يقول : كما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر ؛ حين أدخل النار وذهب خبثه ؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما « 2 » بقي خالصهما . وقال الكلبي : قوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً وهو القرآن ؛ فاحتمله القلوب بأهوائها ؛ ذو « 3 » اليقين على قدر يقينه ، وذو الشك على قدر شكه ؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيرا وجفاء : فالماء هو الحق ، والأودية هي القلوب ، والسيل الأهواء ، والزبد الباطل ، والحق المتاع والحلية . قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع : هو الباطل ؛ من أصاب من هذا شيئا لم ينتفع به ، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله . وأمّا الحلية والماء والمتاع : فهو الحق ؛ من أصاب شيئا منه انتفع به ، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق . أما الحلية : فالذهب والفضة ، وأما المتاع : فالصفر والحديد والرصاص والنحاس ، ونحوه ، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار ؛ فيميز صفوه من خبثه . وقال الحسين بن واقد : وهو قول مقاتل ؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان ؛ ومثل الحق

--> ( 1 ) في أ : والصهر . ( 2 ) في أ : ما . ( 3 ) في أ : دون .