أبي منصور الماتريدي
315
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
له : « 1 » آخر ، وكذلك الظاهر والباطن ؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه الآخر ، وذلك مما وصف به الغائب وأضيف إليه ، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به ؛ ويضاف إليه ما يفهم ؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ في نفسه في حال انفراده وَمَنْ جَهَرَ بِهِ لغيره وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ في ظلمة الليل وَسارِبٌ بِالنَّهارِ . قيل « 2 » : ظاهر بالنهار ، وقال بعضهم : وَسارِبٌ بِالنَّهارِ : من يكون في السرب وهو الغار « 3 » بالنهار ، وقال بعضهم : من هو مستخف بالليل : أي : ساكن بالليل في مقره ، وسارب بالنهار : أي : متصرف متقلب بالنهار في حوائجه « 4 » . ذكر هذا صلة ما تقدم ؛ وهو قوله : يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ويعلم - أيضا - ما تزداد ، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة ، يقول - أيضا - : يعلم من أسرّ القول ، ومن جهر به ، ومن كان مستخفيا بالليل أو ساربا بالنهار ، أي : يعلم كل شيء ؛ لا يخفى عليه شيء : من عمل سرّا ؛ من الخلق ؛ أو عمل بظاهر منهم . يذكر هذا - والله أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي ؛ لأن من علم أن عليه رقيبا حفيظا يكون أحذر وأخوف ؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك . وقال مقاتل : سواء منكم ؛ عند الله ؛ من أسر القول ومن جهر به ، وسواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ؛ أي : من هو مستخف بالمعصية في ظلمة الليل ، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار ؛ معلن بها ؛ فعلم ذلك كله عند الله ؛ سواء . في ذلك تذكير أمرين : أحدهما : يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم ؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون إليه يستأدي بذلك شكره ؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبدا ما كانوا . والثاني : يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم ؛ ليكونوا أبدا على حذر من معاصيه ، والخلاف له . أما علمه هو ما ذكر الله : يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى . . . إلى قوله : سَواءٌ مِنْكُمْ . . . الآية .
--> ( 1 ) في أ : به . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20203 ) وعن خصيف ( 20207 ) ، وقتادة ( 20208 ) ومجاهد وعكرمة ( 20209 ) وانظر : الدر المنثور ( 4 / 88 ) . ( 3 ) في أ : العدو . ( 4 ) قاله القتبي ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 9 ) .