أبي منصور الماتريدي

297

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل قوله - تعالى - : سَبِيلِي هذه التي أنا عليها ، ويحتمل : هذه سبيلي التي أدعوكم إلى الله . عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي . البصيرة : العلم والبيان والحجة النيرة ؛ أي هذه سبيلي التي أنا أدعوكم إليها ؛ إنما أدعوكم على بصيرة ؛ أي على علم وبيان وحجة قاطعة ؛ وبرهان نير ؛ ليس كسائر الأديان التي يدعى إليها على الهوى والشهوة بغير حجة ولا برهان ؛ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ أي : ومن اتبعني ] « 1 » - أيضا - فإنما يدعوكم أيضا على حجة وبرهان ؛ إذ من يجيبني ؛ فإنما يجيب على بصيرة وبيان وحجة . وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قيل : كأن هذا صلة قوله : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ سبحان الله : تنزيها لما قالوا ؛ وتبرئة عما قالوا في الله بما لا يليق به . وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ في ألوهيته وربوبية غيره ؛ أو في عبادته . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ . ذكر رجالا - والله أعلم - أي : لم نبعث رسولا من قبل إلا بشرا ؛ لم نبعث ملكا ولا جنّا ؛ فكيف أنكرتم رسالة محمد بأنه بشر ؛ ولم يروا رسولا من قبل ولا سمعوا إلا من البشر ؛ كقولهم : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] وكقوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 9 ] هذا والله أعلم . إِلَّا رِجالًا مثلك ؛ بشرا لا ملكا ولا جنّا ، أو ذكر رجالا ؛ لأنه لم يبعث امرأة رسولا . وقوله - عزّ وجل - : نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . أي : إنما أرسل الرسل جملة من أهل الأمصار والمدن ؛ لم يبعثوا من أهل البوادي وأهل البراري والقرى ؛ إنما يريد الأمصار والبنيان ، وقال الله - تعالى - : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ [ النحل : 112 ] قيل : هي مكة « 2 » ، جميع ما ذكر في القرآن من القرية والقرى ؛ يريد به الأمصار والمدن ؛ وإنما بعث الرسل والأنبياء من الأمصار ؛ ولم يبعثهم من البوادي ومن أهل البراري - لوجهين - والله أعلم - : أحدهما : لأن لأهل الأمصار والمدن ؛ اختلاطا بأصناف الناس ؛ وامتزاجا بأنواع

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 655 ) عن كل من : ابن عباس ( 21956 ) ، ومجاهد ( 21957 ، 21958 ) ، وقتادة ( 21959 ، 21960 ) ، وابن زيد ( 21961 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 251 ) وعزاه لابن جرير عن ابن عباس .