أبي منصور الماتريدي

298

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الخلق ، ويكون لهم تجارب « 1 » بالخلق ؛ فهم أعقل وأحلم وأبصر من أهل البادية والبرية ، إذ اختلاطهم وامتزاجهم إنما يكون بالماشية وأنواع البهائم ؛ لذلك بعثوا من الأمصار دون البادية . وبعد فإن الرسل يكون لهم أسباب وأعلام تتقدم عن وقت الرسالة تحتاج إلى أن يظهر ذلك للخلق ؛ ليكون ذلك أسرع إلى الإجابة لهم ؛ وأدعى وأنفذ إلى القبول ، فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهر ذلك للخلق . والثاني : أنه يراد من الرسالة إظهارها في الخلق ؛ في الآفاق والأطراف والأمصار ، والمدن هي الأمكنة « 2 » التي ينتاب الناس إليها في التجارات وأنواع الحوائج من الآفاق والأطراف ؛ فيظهر ذلك فيها . وفي أهل الآفاق وأما أهل البوادي والبراري ؛ ليس يدخلها ولا ينقلب « 3 » إليها ؛ إلا الشاذة من الناس ؛ ولا يقضى فيها الحوائج ؛ فلا يظهر في الخلق الرسالة وما يراد بها . وقوله - عزّ وجل - : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . أي : ألم ينظروا ويتفكروا ؛ فيمن هلك من قبلهم من الأمم ؛ بتكذيبهم الرسل أن كيف كان عاقبتهم بالتكذيب في الدنيا ؛ ليمتنعوا عن تكذيب رسولهم . وقوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ . . . الآية ؛ يخرج على وجهين : أحدهما : أي قد ساروا ونظروا كيف كان عاقبة المكذبين ؛ لكنهم عاندوا ولم يعتبروا . والثاني : أي سيروا في الأرض ؛ وانظروا ، ولكن ليس على نفس السير في الأرض ؛ ولكن على السؤال عما نزل بأولئك . وقوله - عزّ وجل - : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشّرك أو خلاف الله ورسوله . أَ فَلا تَعْقِلُونَ أن ذلك أفضل وخير ؛ [ ممن لم يتق ذلك ] « 4 » . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا و كُذِبُوا ؛ كلاهما لغتان ، قال بعضهم : أيس الرسل عن إيمان قومهم وتصديقهم الرسل « 5 » ، ثم

--> ( 1 ) زاد في ب : بالعقل . ( 2 ) في أ : إلى مكة . ( 3 ) في أ : ينتاب . ( 4 ) في أ : من لم يتق بذلك . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 316 ، 317 ) ( 19988 ، 19989 ، 19992 ، 19993 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 77 ) وزاد نسبته لأبي عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس .