أبي منصور الماتريدي

294

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ . . . الآية [ الشعراء : 3 ] وقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ [ فاطر : 8 ] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [ النحل : 127 ] كان حرصه على إيمانهم بلغ ما ذكر ؛ حتى خفف ذلك عليه بهذه الآيات « 1 » . وقال بعض أهل التأويل : قوله - تعالى - : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ يعني أهل مكة ، وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وهم كذلك ؛ كانوا أكثرهم غير مؤمنين ، وأهل مكة وغيرهم سواء كلهم ؛ كذلك كانوا . وقوله - عزّ وجل - : وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي : [ على ] « 2 » ما تبلغ إليهم وتدعوهم إلى طاعة الله ؛ وجعل العبادة له ؛ وتوجيه الشكر إليه ؛ لا تسألهم على ذلك أجرا ؛ فما الذي يمنعهم عن الإجابة لك فيما تدعوهم ؛ والائتمار بأمرك ؟ ! هذا يدل أنه لا يجوز أخذ الأجر على الطاعات والعبادات ؛ حيث نهى وأخبر أنه لا يسألهم على ما يبلغ إليهم أجرا ، وهو لم يتولّ تبليغ جميع ما أمر بتبليغه بنفسه إلى الخلق كافة ، بقوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ . . . الآية [ سبأ : 28 ] ولكنه ولى بعضه غيره ؛ كقوله : « ألا فليبلغ الشاهد الغائب » ؛ فإذا لم يجز له أخذ الأجر فيما يبلغ هو ؛ فالذي كان مأمورا أن يبلغ عنه أيضا لا يجوز أن يأخذ الأجر على ما يبلغ . وفي قوله : وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وجهان : أحدهما : أنه ليس يسألهم على الذي يبلغه إليهم ويدعوهم أجرا ؛ حتى يمنع بذل ذلك وثقله عن الإجابة . والثاني : إخبار أن ليس له أن يأخذ ؛ وأن يجمع من الدنيا شيئا ؛ كقوله : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ . . . الآية [ طه : 131 ] ومعلوم أنه لا يمد عينيه إلى ما لا يحل ؛ فيكون النهي عن أخذ المباح . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . أي هذا القرآن الذي تبلغهم ليس إلا ذكرى ؛ وموعظة « 3 » للعالمين ، أو هو نفسه عظة وذكرى للعالمين ؛ أعني : النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وقوله : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي شرف وذكرى لمن اتبعه وقام به ، وهو ما ذكر في آية أخرى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] ، وقوله : آيَةً لِلْعالَمِينَ [ العنكبوت : 15 ] أي منفعته تكون لمن اتبعه ؛ فعلى ذلك هذا .

--> ( 1 ) في أ : الآية . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : وهو عظة .