أبي منصور الماتريدي

283

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ورأوه معه عرفوا أنه يوسف ؛ لذلك قالوا . والله أعلم . قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ . يحتمل : من يتّق معاصيه ، ويصبر على بلاياه . أو اتقى مناهيه ؛ وصبر على أداء ما أمر به . أو من اتقى وصبر ؛ فقد أحسن . أو يقول : إنه من يتق الجفاء ؛ ويصبر على البلاء ؛ فقد أحسن . فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . ويشبه أن يكون قوله : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا . أي ردّ أخانا علينا ، وهو ما ذكرنا . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا . تَاللَّهِ قسم قد اعتادوه في فحوى كلامهم ؛ على غير إرادة يمين بذلك ؛ هكذا عادة العرب ؛ وإلا كان يعلم يوسف أن الله قد آثره عليهم . ويشبه أن يكون يخرج القسم هاهنا على تأكيد معرفتهم فضله ومنزلته ؛ أي : لم تزل كنت مؤثرا مفضّلا علينا . وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ . أي : وقد كنا خاطئين ؛ فيما كان منا إليك من الصنيع . أو أن يكون قوله : لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ؛ فيما قالوا : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا [ يوسف : 8 ] أي لما كان يؤثرهما عليهم ؛ فقالوا : كنت مؤثرا على ما كان أبونا يؤثرك علينا وقد كنا لَخاطِئِينَ ؛ فقال يوسف . لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ . قال القتبي « 1 » : قوله : لا تَثْرِيبَ : أي لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم ؛ بما « 2 » صنعتم . وقال بعضهم : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ أي : لا تنغيث عليكم . وقيل : أصل التثريب : الإفساد ؛ يقال : ثرب علينا الأمر : أي أفسده . وقال أبو عوسجة : التثريب : الملامة ؛ يقول : لا لوم عليكم في صنيعكم . وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : لا تثريب عليكم : أي لا أعيّركم بعد هذا اليوم أبدا ؛ ولا أعيره عليكم « 3 » .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 222 ) . ( 2 ) في ب : مما . ( 3 ) أخرجه ابن جرير بمثله ( 7 / 292 ) ( 19802 ) عن عبد الله بن الزبير ، وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 447 - 448 ) .