أبي منصور الماتريدي
284
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وهو يحتمل هذين الوجهين : أحدهما : لا تعيير عليكم ولا ملامة ؛ أي ليس عليكم في العقل تعيير ولا ملامة ؛ إذا تبتم وأقررتم بالخطإ ، وهكذا كل من أذنب ذنبا أو ارتكب كبيرة ؛ ثم انتزع عنها وتاب منها ؛ لا يعيّر - هو - عليه ولا يلام . وكذلك قيل في قوله : وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ [ الحجرات : 11 ] ذكر أنهم كانوا يعبّرون أهل الكفر في كفرهم ؛ وينابزونهم ؛ ثم أسلموا ؛ فنهوا أن ينابزوهم ؛ ويصنعوا بهم مثل صنيعهم بهم في حال كفرهم ، ولو وجب التعيير والملامة بعد الانتزاع عنه والتوبة ؛ أو يجوز ذلك لكان أصحاب رسول الله معيّرين ملامين ؛ لأنهم كانوا أهل الكفر في الابتداء ، فهذا مما لا يحل في العقل . والثاني : قوله : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ : لا أعيّركم ؛ على ما قال ابن عباس - رضي الله عنه - أي : لا أذكر ما كان منكم إلينا ؛ أمنهم عن أن يذكر شيئا مما كان منهم إليه ؛ ولذلك قال : مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [ يوسف : 100 ] . ذكر أن الشيطان هو الذي فعل ما كان بينه وبين إخوته ؛ وكذلك فعل ؛ حيث قال : مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [ يوسف : 100 ] أضاف ذلك إلى الشيطان ، ولم يضف إلى إخوته . وقوله - عزّ وجل - : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ . قطع فيه القول بالمغفرة لهم ؛ حين أقروا بالخطايا وتابوا عما فعلوا ، وهكذا كل من تاب عن ذنب ارتكبه ونزع عنه ؛ أن يقطع القول فيه بالمغفرة والرحمة . وقوله : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ يخرج على الدعاء لهم بالمغفرة ، أو على الإخبار بالوحي أنه يغفر لهم ، أو قد غفر لهم ، أو يقول : استغفروا الله ؛ الذي كان بين الله وبينكم يغفر لكم « 1 » . وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لأن كل من يرحم من الخلائق ؛ إنما يرحم برحمة منه إليه ؛ فهو أرحم الراحمين ؛ بما قلنا ؛ على ما قلنا في قوله : خَيْرُ الْحاكِمِينَ [ يوسف : 80 ] و أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ [ هود : 45 ] لأن من يحكم من الخلائق بحكم يجوز إنما يحكم بحكم ناله منه . وقوله - عزّ وجل - : اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً . دل هذا من يوسف ؛ حيث قطع القول فيه أنه يصير بصيرا ؛ إنه عن وحي « 2 » قال هذا لا عن رأي منه واجتهاد ؛ إذ قطع القول فيه أنه إذا ألقى على وجهه يصير بصيرا .
--> ( 1 ) في ب : لهم . ( 2 ) في أ : عزّ وجل .