أبي منصور الماتريدي

28

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ أي : ركبتم الفلك ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ أي : تجري بهم السفن بريح طيبة . يخبر أن السفن ليست تجري في البحار بجريان الماء ؛ لأن ماءها [ راكد ] « 1 » في الظاهر ، ولكن الريح هي التي تجريها وتسيرها ؛ وكذلك الأمواج التي تكون فيها ليست لشدة جريان الماء ، ولكن الريح هي التي تهيج [ الأمواج وتزعجها لا بنفس الماء وَفَرِحُوا بِها قيل : فرحوا بها : سروا بها . ويحتمل فرحوا بها ، أي : بطروا بها وأشروا . وقوله : جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ] « 2 » ، أخبر أن من الريح ما هي طيبة تجرى بها السفن ، ومنها ما هي عاصفة قاصفة تكسر وتفرق السفن وتهلك أهلها ؛ ليعلم أن الأشياء تصلح تارة وتفسد تارة لا لأنفسها ، ولكن لحفظ الحدود فيها ، وكذلك النار تحرق مرة وتفسد ومرة تصلح وذلك لحفظ الحدود فيها ، وكذلك الماء مرة يصلح ومرة يفسد ، وذلك إذا حفظ فيه الحد أصلح ، وإن لم يحفظ أفسده ، وإلا لا يحتمل الشيء الواحد لنفسه يصلح مرة ويفسد تارة ، ولكن لحفظ الحدود فيه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ قيل : أيقنوا أنهم مهلكون ، ولكن الإيقان بالشيء الذي يصيب به في حادث الأوقات إنما يكون بالخبر لأنه لا يدرى لعل الله يصرف ذلك عنهم ، فلا يقع به الإيقان ، ولكن جعل غالب الظن فيه في كثير من الأشياء كالإيقان به ألا ترى أن الله أباح الميتة في حال الضرورة لغالب الظن ؛ إذ قد يجوز ألا يهلك بذلك ، وكذلك ما أبيح للمكره بالقتل أن يجري كلمة الكفر على لسانه لغالب الظن ، وإلا ليس يعلم بالإحاطة أنه يقتله لا محالة ، لكن جعل لغالب الظن في بعض المواضع حكم اليقين والإحاطة فعلى ذلك قولهم أيقنوا أنهم أحيط بهم لغالب الظن . وقوله - عزّ وجل - دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ : أنهم لما أيسوا عن الأصنام التي عبدوها في دفع ما حل بهم عنهم ، فزعوا إلى الله ، وأخلصوا الدعاء له ، وقالوا : لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ، ثم أخبر عن سفههم بعودهم إلى ما كانوا من قبل ، فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وهكذا كانت عادتهم كانوا يفزعون إلى الله عند خوف الهلاك والإياس عن آلهتهم التي عبدوها ، ويخلصون الدعاء له ، فإذا كشف ذلك الكرب عنهم ودفع ، عادوا إلى ما كانوا من قبل . والبغي في الأرض هو الفساد فيها .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ب . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .