أبي منصور الماتريدي
29
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا يحتمل قوله : عَلى أَنْفُسِكُمْ أي : بعضكم على بعض . ويحتمل : عَلى أَنْفُسِكُمْ أي : حاصل بغيكم يرجع على أنفسكم . والبغي هو الظلم ؛ فإن كان التأويل : من أنفسكم بعضكم على بعض ؛ فيكون الوعيد في قوله : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ وقوله : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما قد ذكرنا ، وهو حرف وعيد ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 24 ] إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ . . . الآية قيل : في ضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي ذكر وجوه « 1 » . قال بعضهم : قوله : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا في سرعة فنائها وانقطاعها ووجوب « 2 » زوالها مثل ذلك الزرع الذي ذكر [ في سرعة هلاكه وانقطاعه وزواله عن صاحبه . أو أن يقال : إنما مثل الحياة الدنيا فيما يسر به ويبتهج مثل صاحب الزرع الذي ذكر ] « 3 » فيما سر به وابتهج ، ثم كان ما ذكر : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ . وقال بعضهم « 4 » : إنما مثل الحياة الدنيا للحياة الدنيا فيما ينفقون فيها ، مثل صاحب الزرع الذي ذكر ينفق عليه لما يأمل من المنافع ويطمع منه ثم كان ما ذكر ولو علم في الابتداء أن أمر زرعه يؤول ويصير إلى ما صار لكان لا ينفق ؛ فعلى ذلك صاحب الحياة الدنيا لو علم أن عاقبة أمر نفقته تصير حسرة عليه وندامة ما أنفق ، كما أن صاحب الزرع
--> ( 1 ) قال الزمخشري : هذا من التشبيه المركب ، شبّهت حال الدنيا في سرعة تقضيها ، وانقراض نعيمها بعد الإقبال ، بحال نبات الأرض في جفافه ، وذهابه حطاما بعد ما التفّ وتكاثف ، وزين الأرض بخضرته ، ورونقه . والتشبيه المركب في اصطلاح البيانيين : إما أن يكون طرفاه مركبين ، أي : تشبيه مركب بمركب ؛ كقول بشار بن برد : كأن مثار النّقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وذلك أنه يشبه الهيئة الحاصلة من هويّ أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار ، متفرقة في جوانب شيء مظلم ، بليل سقطت كواكبه . وإما أن يكون طرفاه مختلفين بالإفراد والتركيب . ينظر : الكشاف ( 2 / 340 ) . ( 2 ) في أ : ووجبة . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 4 ) ينظر اللباب في علوم الكتاب ( 10 / 302 ) .