أبي منصور الماتريدي
276
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قيل : يا حزنا على يوسف « 1 » ، وقيل يا جزعا « 2 » . وقال القتبي « 3 » : الأسف أشد الحسرة ؛ وأصله : أن الأسف كأنه النهاية في الحزن : أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته ؛ يقال : أسف . وهو النهاية في الغضب أيضا . كقوله : فَلَمَّا آسَفُونا أي : لما أغضبونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [ الزخرف : 55 ] وقوله تعالى : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً [ الأعراف : 150 ] . وقوله : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ . يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان ؛ ولكن إخبار عما في ضميره ، وذلك جائز ؛ كقوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [ الإنسان : 9 ] أخبر عما في قلوبهم ؛ لا أن قالوا ذلك باللسان . ويحتمل القول به على غير قصد منه . وقوله - عزّ وجل - : فَهُوَ كَظِيمٌ . الكظم : هو كف النفس عن الجزع ؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في أفعاله ، والجزع هو ما يظهر في أفعاله ؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج الغضب ، إلا أن الحزن يكون على من « 4 » فوقه ؛ والغضب على من تحت يده ، وسبب هيجانهما واحد ، أو أن يكون الكظيم : هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم ، كأنه هو الذي يستر ويغطى القلب ؛ إذا حل به ، والهم : هو ما يبعث على القصد من الهم به . والحزن : هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة ؛ ولا يظهر في الأفعال [ والجزع يظهر في الأفعال ] « 5 » ولا يغير الخلقة عن حالها ، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب ، وعمل في إهلاك بعضه ، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن ، والكظيم : ما ذكرنا ؛ هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا تَاللَّهِ . هو يمينهم مكان : والله أو بالله ، وكذلك قال إبراهيم : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [ الأنبياء : 57 ] .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 274 ، 275 ) عن كل من : ابن عباس ( 19652 ) ، ومجاهد ( 19653 ) ، وقتادة ( 19657 ، 19658 ، 19659 ) ، والضحاك ( 19661 ، 19662 ، 19663 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 56 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ، ولابن أبي شيبة وابن المنذر عن قتادة . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 274 ) ( 19654 ، 19655 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 56 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد . ( 3 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 221 ) . ( 4 ) في ب : ما . ( 5 ) سقط في أ .