أبي منصور الماتريدي

27

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل قوله : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً أي : أسرع لجزاء المكر منكم ، أو أسرع أخذا من حيث لا تعلمون أنتم . وقال بعض أهل اللغة : المكر بالآيات هو الرد والجحود لها . وقال بعضهم : استهزاء بها ؛ فهو واحد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ : اختلف فيه : قال : بعضهم : قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ أي : هو الذي سخر لكم ما به تسيرون في البر « 1 » والبحر ، وهو الدواب والسفن التي يقطع بها البراري والبحار ، وهو كقوله : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [ الزخرف : 13 ] . وقيل : قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي : سخر لكم البر والبحر وهما مكانا الخوف والهلاك ، أي : حفظكم فيهما حتى قضيتم فيهما حوائجكم ، وليس في وسع الخلق حفظ البراري والبحار عما فيهما من الأهوال ، فتولى الله بفضله حفظ السائرين فيهما ، حتى قضوا فيهما حوائجهم ؛ وهو كقوله : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها . . . [ النحل : 14 ] إلى آخر ما ذكر من أنواع المنافع ، فلولا أن الله سخر لهم ذلك وحفظهم فيه ، وإلا لم يكن في وسعهم القيام بذلك وحفظ أنفسهم فيه من الأهوال التي فيه ، يذكرهم نعمه ومننه التي أنعمها عليهم ليوجهوا شكر نعمه إليه . ثم قوله : يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يحتمل يخلق وينشئ سيركم في البر والبحر ؛ وهو كقوله : وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ . . . الآية [ سبأ : 18 ] ، والتقدير هو التخليق والمقدر المخلوق ، ففيه دلالة خلق أفعال الخلق ؛ لأن السير هو فعل الخلق أضافه إلى نفسه ؛ دل أنه منشئ فعلهم ، والله أعلم . ويشبه أن يكون قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لم [ يرد ] « 2 » به البر والبحر نفسه ، ولكنه أراد تذكير نعمه عليهم في كل حال وكل وقت ليشكروا له في كل حال ؛ وهو كقوله : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الروم : 41 ] لم يرد به البر والبحر أنفسهما ، ولكن أراد المكان الذي فيه المياه والمكان الذي لا مياه فيه ، أي : ظهر الفساد في الأماكن كلها ؛ فعلى ذلك الأول يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم في الأماكن كلها والأحوال جميعا ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في أ : البحر . ( 2 ) سقط في ب .