أبي منصور الماتريدي
260
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ . فيما يستقبل ويستأنف لقوله : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ . فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ بالنون ؛ وبالياء « 1 » : نكتل ، وبالنون أقرب ؛ لأنهم قالوا : منع الكيل منا فأرسل معنا أخانا نكتل ؛ نحن ، يشبه : ويكتل هو إن أرسلته . وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . لا يحتمل « 2 » أن يقولوا له هذا من غير سبب كان هنالك : من خوف خاف عليه أبوهم من ناحيتهم ، وقد اتهمهم ؛ لأنه كان أخوهم من أبيهم ، خاف عليه أن يضيعوه أو إن استقبله أمر لا يعينونه أو أمر كان لم يذكر ، ولسنا ندري ما ذلك المعنى والله أعلم بذلك . قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ . وفي حرف ابن مسعود « 3 » رضي الله عنه : هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل . في هذا دلالة أن من ظهرت منه تهمة أو خيانة في أمر ، يجوز أن يتهم فيما لم يظهر منه
--> ( 1 ) قرأ الأخوان حمزة والكسائي : بالياء من تحت ، أي : يكتل أخونا . والباقون بالنون ، أي : نكتل نحن ، وهو الطعام ، وهو مجزوم على جواب الأمر . ويحكى أنه جرى بحضرة المتوكل ، أو وزيره ابن الزيات - بين المازني ، وابن السكيت - مسألة ، وهي : ما وزن « نكتل » ؟ فقال يعقوب : نفتل ؛ فسخر به المازني وقال : إنما وزنها : نفتعل . قال شهاب الدين - رحمه الله - : وهذا ليس بخطإ ؛ لأن التصريفين : نصوا على أنه إذا كان في الكلمة حذف أو قلب حذفت في الزنة ، وقلبت ، فنقول في وزن : قمت ، وبعت : فعت ، وفعت ، ووزن « عدة » « علة » ، وإن شئت أتيت بالأصل ؛ فعلى هذا لا خطأ في قوله : وزن « نكتل » : نفتل ؛ لأنه اعتبر اللفظ ، لا الأصل ، ورأيت في بعض الكتب أن وزنها : « نفعل » بالعين ، وهذا خطأ محض ، على أن الظاهر من أمر يعقوب أنه لم يتقن هذا ، ولو أتقنه لقال : وزنه على الأصل كذا ، وعلى اللفظ كذا ؛ ولذلك أنحى عليه المازني ، فلم يرد عليه بشيء . ينظر : اللباب ( 11 / 145 - 146 ) . ( 2 ) ثبت في حاشية ب : غير محتمل ؛ لأنهم قالوا ذلك لما وقع في أنفسهم أنه لا يأمنهم عليه ؛ لأنه سبق منهم خيانة في أخيه ؛ فقالوا ذلك دفعا له ، وأنا لا نفعل به كما فعلنا بأخيه ، بل نحفظه ، فقال لهم ما قال ، والله أعلم . كاتبه . ( 3 ) والمعنى أنه : أنكم ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف ، وضمنتم لي حفظه حيث قلتم : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وهاهنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه ، فهل يكون هاهنا إلا ما كان هناك ؟ ! فكما لا يحصل الأمان هناك لا يحصل هنا . ينظر اللباب ( 11 / 146 ) .