أبي منصور الماتريدي

257

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

هذا لا يكون كلام الأنبياء إنما هو كلام بعض العوام الغوغاء . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . مثل هذا لا يحتمل أن يقوله يوسف ابتداء ؛ على غير سبب أو كلام كان هنالك ، لكنه لم يذكر الذي كان ؛ ونحن لا نعرف ما الذي كان جرى هنالك فيما بينهم . وكذلك قوله : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ . أمّا أهل التأويل فإنهم قالوا : قال لهم ائتوني بأخ لكم من أبيكم إلى آخر ما ذكر ؛ لأنه لما قال لهم : إنكم جئتم عيونا لملككم ؛ فأمر بحبسهم ، فقالوا : نحن بنو يعقوب النبي ، وكنا اثنى عشر رجلا ؛ فهلك منا رجل في الغنم ، ووجدنا على قميصه دما ؛ فأتينا أبانا فقلنا : كذا ، وقد خلفنا عند أبينا أخا له ؛ من أم الذي هلك ؛ فعند ذلك قال [ لهم ] « 1 » : ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ لكن هذا الذي ذكروا لا يكون سببا ولا جوابا له ، وقد ذكرنا أنه لا يصح هذا الكلام مبتدأ ، لكنا نعلم بالعقل أنه كان هنالك سبب ، ومعنى أمر يوسف أن يقول لهم ذلك ، وإلا لا يحتمل أن يقول لهم يوسف : فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ وهو كان يعلم أن أباه يعقوب يحتاج إلى طعام ، ويعرف حاجتهم في ذلك - هذا لا يسع إلا بسبب كان ؛ فأمر يوسف بذلك . وقوله : فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ فيما يستقبل ؛ أي : لا تأتوني . والله أعلم . ويحتمل قوله : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وجهين : أحدهما : قال ذلك لهم ؛ إنه يوفي لهم الكيل ؛ لأن أهل ذلك المكان كانوا ينقصون ويخسرون الكيل في الضيق ؛ فقال هو : ألا ترون أني أوفي الكيل ولا أبخس . والثاني : ألا ترى أنى أوفي الكيل على غير الحاجة ؛ وكان يجعل لغيرهم الطعام على الحاجة ؛ لضيق الطعام . إني أوفي الكيل على قدر الحاجة وأنا خير المنزلين في الإحسان إليكم والتوسيع عليكم ؛ لأن أهل ذلك المكان لا يحسنون إلى النازلين بهم ، ولا يوسعون [ عليهم ] « 2 » ؛ لضيق الطعام . وكأن قوله : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ مؤخر عن قوله : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ؛ كأنه قال : ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ؛ فعند ذلك قال : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ والله أعلم .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب .