أبي منصور الماتريدي

258

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ . هذا الكلام في الظاهر ليس هو جواب قول يوسف ؛ حيث قال : ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ وجوابه أن يقولوا له : نأتي به أو لا نأتي ، فأما أن يجعل قولهم : سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ جوابا له ؛ فلا يحتمل مع ما أن في قلوبهم سنراود عنه اضطراب ؛ يملكون أو لا يملكون . قولهم : وَإِنَّا لَفاعِلُونَ . على القطع ؛ لكن يشبه أن يخرج على وجهين : أحدهما : على الإضمار ؛ سنراود عنه أباه فإن أذن له وإنا لفاعلون ذلك . أو على التقديم والتأخير يكون جواب قوله : ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ في قولهم : وَإِنَّا لَفاعِلُونَ كأنه لما قال لهم يوسف : ائتوني بأخ لكم من أبيكم قالوا إنا لفاعلون ، ثم قالوا فيما بينهم : سنراود عنه أباه . على هذين الوجهين يشبه أن يخرج والله أعلم « 1 » . وقوله : سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ . قال أبو عوسجة : المراودة : الممارسة ، وهي شبه المخادعة ، وهي المعالجة . وقيل : سنراود : أي سنجهد وسنطلب « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ لِفِتْيانِهِ لفتيته . الفتية : الخدم ؛ والفتيان : المماليك . اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ . قيل : اجعلوا دراهمهم في أوعيتهم « 3 » ، فيه دلالة أن الهبة قد تصح - وإن لم يصرح بها - إذا وقع في يدي الموهوب له وقبضه - وإن لم يعلم هو بذلك - وقتما جعل له ؛ لأن يوسف جعل بضاعتهم في رحالهم ؛ هبة لهم منه ؛ وهم لم يعلموا بذلك ، وهو وقتما جعل [ ذلك لهم ] « 4 » ملك ليوسف ؛ ولهذا قال أصحابنا : إن من وضع ماله في طريق من طرق المسلمين ؛ ليكون ذلك ملكا لمن رفعه كان ما فعل . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .

--> ( 1 ) ثبت في حاشية ب : ويمكن أن نقول : معنى وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ، أي : المراودة ، كأنهم قالوا : لا بد أن نراوده ونفعل المراودة ، فإن أذن له جئنا به ، وإلا فلا ؛ فلا حاجة إلى ما ذكره ، والله أعلم . كاتبه . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 244 ) ( 19476 ) عن ابن إسحاق ، وكذا الرازي ( 18 / 134 ) . ( 3 ) ذكره بمثله البغوي ( 2 / 435 ) . ( 4 ) في ب : لهم ذلك .