أبي منصور الماتريدي
235
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بقولهن : امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ، أي : إنكن لمتنني فيه أني أراوده عن نفسه ، وأنتن قطعتن أيديكن إذ رأيتنه ، وأنكرتن أن يكون هذا بشرا ؛ فذلك أعظم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ . أي : دعوته إلى نفسي فاستعصم ؛ قيل : امتنع ؛ كقوله : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ هود : 43 ] أي : لا مانع ، ويشبه قوله : استعصم بالله أو بدينه أو نبوته أو بعقله ، هذا يدلّ على أنه لم يكن منه ما قال أهل التأويل من حلّ السراويل ونحوه ؛ حيث قالت : فَاسْتَعْصَمَ . وقوله - عزّ وجل - : وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ . قالت ذلك امرأة العزيز . لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ . يشبه أن يكون قولها « 1 » : ليسجنن وليكونن في السجن « 2 » من الصاغرين ، أو ليسجنن وليكونن من المذلّين الصّاغرين : هو « 3 » : الذليل لأنه قال لامرأته : أَكْرِمِي مَثْواهُ ، فكان مكرما عندها معظما ؛ فلما أبي ما راودته فقالت : لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ أي : من الذليلين . وقوله - عزّ وجل - : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ . فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز من المراودة والدعاء إلى نفسها ؛ حيث قال : السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر : ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [ يوسف : 51 ] ، [ وكذلك قالت امرأة العزيز : فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي : كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه ] « 4 » ؛ وأنتن قد راودتنّه عن نفسه . وقول يوسف : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ . أي : ذلك الذل والصغار أحبّ إليّ ، أي : آثر عندي وأخير في الدّين مما يدعونني إليه ؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه ؛ فأخبر أن السجن أحبّ إليه ، أي : آثر وأخير في الدين ؛ إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه ؛ ألا ترى أنه قال : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ؟ ! فهذا يدل على أن ما قال : السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا
--> ( 1 ) في أ : قوله . ( 2 ) في أ : السكن . ( 3 ) في أ : هذا . ( 4 ) ما بين المعقوفين سقط في ب .