أبي منصور الماتريدي

236

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ إنما أراد به : محبة الاختيار والإيثار في الدّين ، لا محبّة النفس واختيارها ؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه ؛ دليله قوله : أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ . وليس الدعاء في قوله : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ كما يقول بعض الناس : إنه إنما وقع في السجن ؛ لأنه سأل ربه السجن فاستجيب له في ذلك ؛ ولكن الدعاء في قوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ، وهو كقول آدم وحواء : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا . . . الآية [ الأعراف : 23 ] ليس الدعاء في قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا لأنه « 1 » : إخبار عما كان منهم ، إنما الدعاء في قوله : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] وكذلك قول نوح : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي [ هود : 47 ] . وفي قوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ دلالة على أن عند الله لطفا لم يكن أعطى يوسف ذلك ؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفا عنه ؛ حيث قال : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى ، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم ، حيث قالوا : إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر ، وقوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أي : لا أحد يملك صرف كيدهن عنّي لو لم تصرفه أنت ، وكذلك قوله : وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي [ هود : 47 ] وهو أبلغ في الدعاء من قوله : اللهم اغفر لي وارحمني . وقوله : أَصْبُ إِلَيْهِنَّ . قال بعضهم : أمل إليهن « 2 » . وقال بعضهم : قال : لو لم تصرف عنى كيدهن لأتابعهن « 3 » . ويقال : الصبو : هو الخروج عن الأمر ؛ يقال : كل من خرج عن « 4 » دينه فقد صبا . وبهذا كان المشركون يسمّون النبي صلى اللّه عليه وسلّم : صابئا ، أي : خرج مما نحن عليه . وقال أبو بكر الأصم : الأصب : هو الأمر المعجب . وقوله : وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ . أي : يكون فعلي فعل الجهّال لا فعل العلماء والحكماء ، إن لم تصرف عنى كيدهن . وقوله - عزّ وجل - : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ .

--> ( 1 ) في أ : الآية . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 209 ) ، وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 424 ) . ( 3 ) أخرجه بمثله ابن جرير ( 7 / 209 ) ( 19256 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 31 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة . ( 4 ) في ب : من .