أبي منصور الماتريدي

215

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ . قال بعض أهل التأويل : كان يعقوب - عليه السلام - رأى في المنام أن يوسف أخذه الذئب « 1 » ، فمن ثمة قال : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ، لكن هذا لا يحتمل ؛ لأنّ رؤيا الأنبياء أكثرها [ صدق وحق ] « 2 » ، فلا يحتمل أن رأى ذلك ثم يقول : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ أو يدعه يذهب معهم ، لكنه خاف عليه أكل الذئب على ما يخاف على الصبيان في المفاوز والبراري ؛ إذ الخوف على الصبيان في المفاوز والبراري والضياع عليهم يكون بالذئب أكثر من [ أي ] وجه آخر ؛ لأنه جائز أن يفترسه سبع من السباع عند مغافصته إخوته واشتغالهم بما ذكر من الاستباق ، ولا يحتمل الضياع من الناس يأخذه واحد من بين نفر . وقال بعض أهل التأويل : إن قوله : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ كناية عن بنيه ؛ أي : أخاف أن تهلكوه وتضيعوه . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ . أولو قوة . إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ . تأويله - والله أعلم - : لئن أكله الذئب ونحن عصبة ؛ أي : جماعة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ أي : كأنا نحن سلمناه إلى الذئب ، وعرضناه للضياع ؛ هذا - والله أعلم - معنى الخسران الذي ذكروا ، وإلا لم يلحقهم الخسران إذا أكله الذئب ؛ لأنه إذا كان بهم قوة المنع فلم يمنعوه فكأنهم ضيعوه . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 15 إلى 18 ] فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ : [ غيابة الجب ] « 3 » قد ذكرناه . وقوله - عزّ وجل - : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . يحتمل قوله : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ : وحي نبوة ، أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب ، أو

--> ( 1 ) ذكره الرازي ( 18 / 78 ) ، وابن عادل في اللباب ( 11 / 45 ) ، والبغوي ( 2 / 413 ) . ( 2 ) في ب : حق وصدق . ( 3 ) سقط في أ .