أبي منصور الماتريدي

216

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بشارة الملك له والعز . ثم قوله : لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . قال بعضهم : هو قول يوسف « 1 » حيث قال لهم : هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ . . . الآية [ يوسف : 89 ] قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي [ يوسف : 90 ] هذا الذي نبأهم يوسف وهم لا يشعرون بذلك . ويشبه أن يكون قوله : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أي : إلى يعقوب لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، ويكون قوله : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ هو ما قال لهم : يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ . . . الآية [ يوسف : 87 ] أمرهم أن يطلبوه ويتحسسوا من أمره ؛ كأنه علم أنه حي ؛ كقوله « 2 » : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنه حي ؛ ألا ترى أنه قال : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ [ يوسف : 94 ] ولهذا قال حين ألقى الثوب على وجهه فارتد « 3 » بصيرا : إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وذلك تأويل قوله : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إن كانت الآية في يعقوب ، وإن كانت في يوسف فهو ما ذكرنا ، والله أعلم بذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ الآية . في الآية دلائل : أحدها : أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب ، ولا يصير كافرا ، ومن ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان ؛ لأن إخوة يوسف همّوا بقتل يوسف ، أو طرحه في الجب ، والتغييب عن وجه أبيه ، وإخلائه عنه ، وذلك لا يخلو منهم : إما أن تكون صغيرة أو كبيرة : فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم : قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا . . . الآية [ يوسف : 97 ] ؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها . وإن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان ؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا قوما صالحين ؛ حيث قالوا : وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ [ يوسف : 9 ] . دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه ، وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان ، ونقض قول الخوارج في قولهم : إنه إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافرا مشركا .

--> ( 1 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 7 / 158 ) ( 18843 ، 18846 ) عن مجاهد ، والبغوي ( 2 / 413 ) . ( 2 ) في ب : لقوله . ( 3 ) في أ : وارتد .