أبي منصور الماتريدي

214

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقرئ بالنون « 1 » : نرتع ونلعب . قال القتبي « 2 » : نرتع ، أي : نأكل ؛ يقال : رتعت الإبل : إذا رعت ، وارتعتها : إذا تركتها ترعى ، ويقرأ نرتع ، بكسر العين ، والمراد منه أن نتحارس ويرعى بعضنا بعضا ؛ أي : يحفظه ، ومنه يقال : رعاك الله ؛ أي : حفظك الله . وقوله : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قالوا : يلعب فيما يحل ويسع من نحو الاستباق وغيره ، وهو ما ذكروا : إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ، واللعب في مثل هذا يحل ، وقد روي - أيضا - في الخبر أنه قال : « لا يحل اللعب إلا في ثلاث » وفيه : « معالجة الرجل فرسه أو قوسه ، وملاعبة الرجل امرأته » ، أخبر أنه لا يحل إلا ثلاث ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ . قال : إني ليحزنني ، عند الواقع به والغائب عنه من النعمة التي أنعمها عليه ؛ لأنه كان نعمة عظيمة له فات النظر إليه ، فذكر الحزن على ما فات عنه ، وذكر الخوف لما خاف وقوعه في وقت يأتي وما سيقع ؛ فهذا تفسير قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 62 ] لا يحزنون ؛ لأنه موجود للحال ، غير فائت وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ، أي : لا يخافون فوته ؛ لأن خوف فوت النعمة ينقص على صاحبه النعمة ، فآمنهم على ذلك ، وهو ما ذكرنا أن الحزن يكون بالواقع للحال ، والخوف على ما سيقع ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ أربع عشرة قراءة : إحداها : قراءة نافع : بالياء من تحت ، وكسر العين . الثانية : قراءة البزي ، عن ابن كثير : نرتع ونلعب بالنون وكسر العين . الثالثة : قراءة قنبل ، وقد اختلف عليه : فنقل عنه ثبوت الياء بعد العين وصلا ووقفا ، وحذفها وصلا ووقفا ، فيوافق البزي في أحد الوجهين عنه ، فعنه قراءتان . الخامسة : قراءة أبي عمرو ، وابن عامر : نرتع ونلعب بالنون ، وسكون العين والباء . وقرأ جعفر بن محمد : نرتع بالنون ، ويلعب بالياء ، ورويت عن ابن كثير . وقرأ العلاء بن سيابة : يرتع ويلعب بالياء فيهما ، وكسر العين وضم الباء . وقرأ أبو رجاء كذلك ، إلا أنه بالياء من تحت فيهما . والنخعي ويعقوب : نرتع بالنون ، ويلعب بالياء . وقرأ مجاهد وقتادة ، وابن محيصن : يرتع ويلعب بالياء . والفاعلان في هذه القراءات كلها مبنيان للفاعل . وقرأ زيد بن علي : يرتع ويلعب بالياء من تحت فيهما مبنيين للمفعول . وقرئ : نرتعى ونلعب بثبوت الياء ورفع الباء . وقرأ ابن أبي عبلة : نرعى ونعلب . فهذه أربع عشرة قراءة منها ست في السبع المتواتر وثمان في الشواذ . ( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 212 ) .