أبي منصور الماتريدي
201
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ تأويله - والله أعلم - : كل الذي نقص عليك أو قصصنا عليك من أنباء الرسل ، نبأ بعد نبأ ، ونبأ على إثر نبأ ؛ ما نثبت به فؤادك . وقوله : ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ يحتمل وجوها . أحدها : نثبت به فؤادك ؛ لما يحتمل أن نفسه كانت تنازعه وتناقشه بأن الذي أنزل عليه أو يأتي به ملك ، أو كان ذلك من إيحاء الشيطان وإلقائه عليه ووساوسه ، فقص عليه من أنباء الرسل وأخبارهم ؛ ليكون له آية بينه وبين ربه ؛ ليعلم أن ما أنزل عليه وما يأتي به إنما هو ملك من الله ؛ جاء ليدفع به نوازع نفسه وخطراته ؛ إذ لا سبيل للشيطان إلى معرفة تلك الأنباء ، ولا في وسعه إلقاؤها عليه ، فيكون له بها طمأنينة قلبه ، وهو كقول إبراهيم ؛ حيث قال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى . . . الآية [ البقرة : 260 ] ، كأن نفس إبراهيم تنازعه في كيفية إحياء الموتى ، فسأل « 1 » ربه ليريه ذلك ؛ ليطمئن بذلك قلبه ، وإن كان يعلم أنه يحيي الموتى ، وأنه قادر على ذلك . والثاني : قص عليه أنباء الرسل واحدا بعد واحد ؛ ليثبت به فؤاده ليعلم كيفية معاملتهم قومهم ، وما ذا لقوا من قومهم ، وكيف صبروا على أذاهم ليصبر هو على ما صبر أولئك ، وليعامل هو قومه بمثل معاملتهم . ويشبه أن يكون قوله : ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ بنبأ بعد نبأ ؛ لتنظر وتتفكر في كل نبأ وخبر ، وتعرف ما فيه ، فيكون ذلك أثبت في قلبه « 2 » ، وهو كقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] بإنزال الآية واحدة بعد واحدة ، وسورة بعد سورة ، وذلك أثبت في فؤاده من إنزاله جملة ؛ لأنه يزدحم في مسامعه وفؤاده ، وإذا كان بالتفاريق نظر وتفكر ، فهو أثبت في قلبه وفؤاده ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال بعضهم : وَجاءَكَ فِي هذِهِ أي : في هذه الأنباء التي قصها عليك جاءك فيها الحق ، وهو ما ذكرناه . وقال بعضهم : وَجاءَكَ فِي هذِهِ أي : في هذه السورة الحق « 3 » ، وهو ما ذكر من
--> ( 1 ) في ب : نسأله . ( 2 ) في ب : قوله . ( 3 ) أخرجه ابن جرير عن كل من : أبي موسى ( 18755 ، 18756 ) ، وابن عباس ( 18757 ، 18761 ) ، ومجاهد ( 18762 ، 18765 ، 18772 ) ، وسعيد بن جبير ( 18766 ) ، وأبي العالية ( 18767 ) ، والربيع بن أنس ( 18768 ) ، والحسن ( 18769 ، 18771 ، 18775 ) ، وقتادة ( 18773 ، 18774 ) . -