أبي منصور الماتريدي

200

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الآية [ القصص : 8 ] ، أو أن يقال ذلك على أنه كذلك في فعله عند الله وإن جهله هو ، أو يوجب السفه في الفعل والعبث ؛ إذ هو يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون ، أو يريد ما يتيقن أنه لا يبلغ ، وإذا كان كذلك فإعطاء الله - تعالى - القدرة ليؤمن ، أو خلقه ليعبد ، وأراد أنه يفعل ذلك ، واختار ذلك الفعل ، لذلك يوجب أحد ذينك الوجهين جل الله عنهما وتعالى ، وقد ثبت أن الله - تعالى - عالم بالعواقب ، متعال عن العبث ، ثبت أنه خلق من خلق ، وأعطى ما أعطى لما علم أنه يكون ، وقد علم ما يكون ، وعلى هذا التقدير « 1 » يخرج الأمر في قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ . . . الآية [ الأعراف : 179 ] ، وقوله : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ . . . الآية [ التوبة : 85 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ أنه خلقهم للذي علم أنهم يصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق ، أو عداوة أو ولاية ، لا يريد غير الذي علم ، ولا يعلم غير الذي يكون ممن يعلم ما يكون ، ولا قوة إلا بالله . وقالت المعتزلة : قوله : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي : للرحمة خلقهم ؛ فقال : بعض متكلمي أصحابنا : إن الرحمة تذكر بالتأنيث وهو إنما ذكر بالتذكير ؛ حيث قال : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ولم يقل : ولتلك خلقهم دل أنه ليس على ما يقولون . وقال قائلون : للاختلاف خلقهم إلا من رحم ربك . وقال بعضهم : هو صلة قوله : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ أي : خلقهم لئلا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . وعندنا ما ذكرنا أنه خلقهم للذي علم أنه يكون منهم ، وأنهم يصيرون إليه من الاختلاف أو الاتفاق ، أو العداوة أو الولاية ، لا يخلقهم لغير الذي علم أنه يكون منهم ، ولا يريد - أيضا - غير ما علم أنهم يصيرون إليه ، ولا يعلم غير ما يكون منهم ، والله الموفق . وتأويل المعتزلة في قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أنها مشيئة [ القسر والقهر ] « 2 » ، فذلك بعيد ؛ لأنه لا يكون في حال القهر والاضطرار إيمان ؛ لأن من أكره واضطر على الإيمان حتى آمن فإنه لا يكون إيمانه إيمانا ، إنما يكون الإيمان إيمانا في حال الاختيار إذا آمن مختارا ممتحنا فيه ، فعند ذلك يكون إيمانه إيمانا دل أن تأويلهم فاسد .

--> ( 1 ) في ب : التقرير . ( 2 ) في ب : القهر والقسر .