أبي منصور الماتريدي

195

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ظاهر ما ذكر من الكلام أن يقول : فإن الله لا يضيع أجر الصابرين ؛ لأنه ذكر الصبر بقوله : اصْبِرْ [ ص : 17 ] لكن يحتمل قوله : وَاصْبِرْ عن الشرور كلها وأحسن « 1 » ، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ؛ بل يجزيهم جزاء إحسانهم . أو يقول : اصبر على أداء ما كلفت من الطاعات ، أو تبليغ ما كلفت التبليغ إليهم . ويحتمل وجها آخر : اصبر على أذاهم ولا تكافئهم [ فإذا لم تكافئهم ] « 2 » فقد أحسنت إليهم ، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ، أو يقول هو له : إِنَّ الْحَسَناتِ والله أعلم . قال أبو عوسجة : قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ : ساعات من الليل « 3 » . وقال : الزلفة : المرحلة ، والزلفة : القربة ؛ كقوله : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى * أي : لقربة « 4 » . وقال أبو عبيدة « 5 » : الزلف : [ جمع ] « 6 » زلفة ، وهي الساعة ، وهي المنزلة « 7 » [ على ما قلناه ] « 8 » . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 116 إلى 120 ] فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) وقوله - تعالى - : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا ظاهر هذا يخرج على المعاتبة أو التنبيه والتذكير ؛ لأنه يقول : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ أي : لم لا كانوا كذا ؟ فليس ثم من أولئك من يعاتب أو ينبه ، لكنها تخرج على وجهين :

--> ( 1 ) في أ : فأحسن . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) في ب : القربة . ( 5 ) ينظر : مجاز القرآن ( 1 / 300 ) . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) انظر البحر المحيط لأبي حيان ( 5 / 270 ) . ( 8 ) سقط في أ .