أبي منصور الماتريدي

196

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدهما : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ أي : فهلا كانوا ذوي بقية يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ومعناه - والله أعلم - : هلا كثر أهل الإسلام فيهم حتى قدروا على النهي عن الفساد في الأرض ؛ لأنهم إذا كانوا قليلا لم يقدروا على النهي عن الفساد في الأرض ؛ نحو لوط وأهله ، كانوا عددا قليلا كيف كان يقدر على النهي عن الفساد ، أو المنع عن ذلك ، وكنوح - أيضا - كان معه نفر يقل عددهم ، لم يقدروا على منع قومه عن الفساد ونحوه . فإذا كان ما ذكرناه فكأنه - والله أعلم - يقول : هلا كثر أهل الإسلام وأولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض . والثاني : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أي : قد كان منهم أولو بقية ، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض ، فأهلكوا جميعا إلا قليلا ممن أنجينا منهم ، وذلك القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض ، فنجوا بين أولئك . حاصل هذا يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما : أحدهما : لم يكن منهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ؛ على ما قاله بعض أهل التأويل . والثاني : كان فيهم أولو بقية ، لكنهم لم ينهوهم عن الفساد [ في الأرض ] « 1 » إلا قليلا منهم فإنهم قد نهوهم عن ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ هو يخرج على وجهين : يحتمل : واتبع : الأتباع والسفلة الذين ظلموا من أترفوا فيه من الأموال أي : وسع [ عليهم وأعطوا ] « 2 » الأموال وهم الأجلة والأئمة منهم أي : آثروا اتباع الأئمة والأجلة الذين أترفوا فيه على اتباع الرسل والأنبياء . والثاني : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الأجلة والأئمة ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي : ما أعطوا من الأموال أي : آثروا الدنيا وما فيها على اتباع الرسل والأنبياء . أحد التأويلين يرجع إلى السفلة والأتباع ، وهو الأوّل ، والثاني إلى الأجلة والأئمة هم آثروا اتباع الدنيا على اتباع الرسل ، ثم تبعهم الأتباع والسفلة في ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ أي : ما كان ربك ليهلك القرى إهلاك استئصال وانتقام وأهلها كلهم مصلحون ، أو أكثر أهلها

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : إليهم وأعطوهم .