أبي منصور الماتريدي
189
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
العذاب في الآخرة ، غير منقوص عنهم ذلك العذاب « 1 » . وقوله : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ إن كان التأويل في قوله : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ على الإياس من قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون ، فيكون تأويله ما ذكر في آية أخرى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ . . . الآية [ هود : 15 ] ، وإن كان الثاني فهو ما ذكر في آية أخرى قوله : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ . . . الآية [ هود : 111 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي : التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ أي : اختلف في الكتاب ، والاختلاف فيه يحتمل وجوها ثلاثة : أحدها : في الإيمان به والكفر منهم ، من آمن به ، ومنهم من كفر . والثاني : اختلفوا فيه : في الزيادة والنقصان ، والتبديل والتحويل والتحريف ؛ كقوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ . . . الآية [ آل عمران : 78 ] ، وكقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ . . . الآية [ البقرة : 79 ] وقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [ المائدة : 13 ] وأمثاله من الآيات . والوجه الثالث : من الاختلاف : اختلفوا في تأويله وفي معناه بعد ما آمنوا به وقبلوه ، فالاختلاف في التأويل مما احتمل كتابنا ، وأمّا التبديل والتحويل والتحريف ، والزيادة والنقصان فإنه لا يحتمل لما ضمن الله حفظ هذا الكتاب بقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] وقال : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . . . الآية [ فصلت : 42 ] ، وجعله ميسرا على ألسن الناس وقلوبهم ، حتى من زاد ، أو نقص ، أو بدل ، أو حرف شيئا أو قدم ، أو أخر عرف ذلك ، فهو - والله أعلم - لما لا يحتمل إحكام هذا نسخها ولا شرائعه تبديلها ، وأما الكتب السالفة فإنما جعل حفظها إليهم بقوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [ المائدة : 44 ] فهو - والله أعلم - لما احتمل شرائعها وأحكامها نسخها وتبديلها ، لذلك كان الأمر ما ذكرناه . وقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ذكر هذا لرسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يصبره على ما اختلف فيه قومه في الكتاب الذي أنزل « 2 » عليه ؛ يقول : وقد اختلف فيما أنزل على من كان قبلك كما اختلف فيما أنزل عليك .
--> ( 1 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 7 / 120 ) ( 18611 ) عن ابن زيد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 636 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن زيد . ( 2 ) في ب : نزل .