أبي منصور الماتريدي
178
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 96 إلى 99 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ( 98 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ( 99 ) وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وهي الحجج . يحتمل قوله : بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ واحد ، على التكرار ، فإن كانت الآيات هي الأوامر والنواهي « 1 » ، وما يؤتى وما يتقى فقوله : وَسُلْطانٍ مُبِينٍ هي الحجج والبراهين « 2 » على ذلك . وقوله - عزّ وجل - : إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين : اسم الجماعة ، واسم الأجلة والأشراف ، وهو كان مبعوثا إلى الأشراف من قومه ، وإلى الجماعة جميعا ؛ خصّ بعثه إلى فرعون وقومه « 3 » وإن كان مبعوثا إلى الكل ؛ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف ، وإن كان [ المقصود من الخطاب ] « 4 » الكل . وقوله - عزّ وجل - : فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ قال بعضهم : هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم : ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 29 ] فأطاعوا فرعون في قوله ؛ يقول الله : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ أي ] « 5 » : يهدي ، أو يقول : ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد ؛ بل هو ضلال . ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره ، وهو ما ذكر : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ [ الزخرف : 54 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي : ليس بهدى ؛ بل كان أمره ضلالا ؛ حيث كان هو ضالا مضلا .
--> ( 1 ) في أ : والمناهي . ( 2 ) قال الزجاج : السلطان هو الحجة ، وسمي السلطان : سلطانا ؛ لأنه حجة الله في أرضه ، واشتقاقه من السليط الذي يستضاء به ، ومنه قيل للزيت : السليط . وقيل : مشتق من التسليط ، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية ، والملوك سلاطين بسبب قدرتهم ومكنتهم ، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأبقى من سلطنة الملوك ؛ لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل ، وسلطنة الملوك تقبلهما ، وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء ، وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة ، وسلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء . ينظر اللباب ( 10 / 557 ) . ( 3 ) في أ : وملئه . ( 4 ) في ب : من القصود خطاب . ( 5 ) سقط في ب .