أبي منصور الماتريدي

174

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي : ارجعوا إليه رجوعا حتى لا تعودوا إلى مثل صنيعكم أبدا إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ يرحم من تاب إليه ، والله يرحمه وَدُودٌ يحتمل وجهين : أحدهما : ودود : أي : حق أن يودّ ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان ، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم . والثاني : ودود لمن توسل إليه وتقرب . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ قوله : ما نَفْقَهُ يحتمل : ما نفهم وما نعقل كثيرا مما تقول « 1 » ؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به ؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون ؛ يقولون : لا نفهم ما تقول ؛ لأن كلامك كلام مجانين . وهذه هي عادة القوم ؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون . ويحتمل : ما نفقه : ما نقبل كثيرا مما تقول ، فإن كان على الفهم فهو كقوله : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] وهم كانوا فريقين : فريق كانوا يقولون : قلوبنا أوعية للعلم ؛ كقولهم : قُلُوبُنا غُلْفٌ * فإن كان ما تقول حقّا نفهم ونعقل كما نعقل غيره ، وفريق قالوا : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون ؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر ، والفريق الأول يقولون : إن قلوبنا أوعية للعلم ، فلو كان حقّا لعقلناه كما عقلنا غيره ، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى الرسول ، وأولئك إلى أنفسهم ، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً يحتمل هذا وجهين : أحدهما : أي : إنك لست من كبرائنا وأجلتنا ، إنما أنت من أوساطنا ، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس « 2 » ، لا من كبرائهم في أمر الدنيا ، فالقوي والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال ، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل ؛ لأنهم لا يعرفون الدين ، ولا يؤمنون بالآخرة ، لذلك قالوا ما قالوا .

--> ( 1 ) استدلوا بهذه الآية على أن الفقه : اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه ؛ لأنه أضاف الفقه إلى القول ، ثم صار اسما لنوع معين من علوم الدين ، وقيل : إنه اسم لمطلق الفهم ، يقال : أوتي فلان فقها في الدين ، أي : فهما ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « . . . يفقّهه في الدين » أي : يفهمه تأويله . ينظر اللباب ( 10 / 552 ) . ( 2 ) في أ : القوم .