أبي منصور الماتريدي

133

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه ، وفيه دلالة رد قول من يقول : إن [ المواعظ إنما تنفع ] « 1 » الموعوظ « 2 » على قدر استعمال الواعظ ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها ؛ لأن نوحا - عليه السلام - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء ، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل ؛ دل أنه ليس لما فهموا ، ولكن لما ذكرنا . وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب ، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة ، فذلك شيء لا علم لنا به ، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب ، إنما يكون له فيما يخرج من العنب ، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها : يحتمل قوله : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها أنه لما قال لهم نوح : اركبوا فيها قولوا بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها ، وهو كقول الناس باسم الله من أوله على ما يقال ، ويذكر [ اسم الله ] « 3 » في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره . ويحتمل قوله : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها أي : بالله مجراها ومرساها ، أي : به تجري وبه ترسو ، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف ، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها ، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ : هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك . وقوله - عزّ وجل - : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ : هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري وبه ترسو ؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج ، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها ، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها ، والله أعلم . وقوله : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ : هذا يدل على أنها كانت آية ؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها ، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير [ آية لهم ] « 4 » .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) في أ : الموعظ . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : لهم آية .