أبي منصور الماتريدي

134

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ . يحتمل قوله : وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي : بمعزل من نوح ، أو كان بمعزل من السفينة ، أو ما كان . وقوله - عزّ وجل - : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ يحتمل لا تكن مع الكافرين : لتغرق ، أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله . وقوله - عزّ وجل - : سَآوِي إِلى جَبَلٍ أي : سأنضم إلى جبل ، يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ : ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال ، فأخبر عليه السلام أنه لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي : من عذاب الله ، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا « 1 » أمر الله أمر تكوين ؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج [ لقوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ . . . الآية [ النحل : 40 ] ، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج ] « 2 » على من ينكر البعث ؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين ؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ بهدايته إياه ، أو إلا من سبقت له الرحمة من الله بالهداية له والنجاة . وقوله : وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ : يحتمل قوله : بَيْنَهُمَا بين ابنه وبين نوح ، ويحتمل بينه وبين السفينة . فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وقوله : فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ : يحتمل صار من المغرقين ، ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق ، وهذا يدل على أن قوله في إبليس : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] أنه يخرج على وجهين : أحدهما : أنه كان في علم الله أنه يكفر ، أو صار من الكافرين كما ذكر ، وكان من المغرقين إذ لم « 3 » يكن من المغرقين في الأزل . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 44 إلى 49 ] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ( 49 )

--> ( 1 ) في ب : ذكر . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 3 ) في أ : ولم .