أبي منصور الماتريدي
123
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : بقوله : لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالا ، مع حاجتي وقلة مالي ، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي : ما أجري إلا على الله في ذلك ليس عليكم . وقوله - عزّ وجل - : وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا : فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة ، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء ؛ وهو كقوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ . . . الآية [ الأنعام : 52 ] . وقال أهل التأويل : وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا أي : ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم ؛ لقولهم حيث قالوا : وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ « 1 » [ هود : 27 ] لأنهم يقولون : اتبعوك الأراذل ظاهرا ، وأما في الباطن فليسوا على ذلك ؛ ولذلك قال : وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ [ هود : 31 ] يعني : ما في قلوب السفلة فيقول : ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهرا الله أعلم بما في قلوبهم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ يحتمل وجهين ؛ أي : ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم ، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم . والثاني : أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهرا كان إيمانهم أو باطنا [ أي في أي حال هم يلاقون ] « 2 » ربهم فيجزيهم بما هم عليه ؛ كقوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ . وقوله - عزّ وجل - : وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم : إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال ، وأما في السر فلا ، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم . وقوله - عزّ وجل - : وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ : أي : « 3 » من يمنعني من عذاب الله ، إِنْ طَرَدْتُهُمْ : على ما تدعونني إليه ، أو من يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان .
--> ( 1 ) زاد في ب : ظاهر الرأي . ( 2 ) في أ : حالهم ملاقون . ( 3 ) في أ : أو .