أبي منصور الماتريدي

124

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أَ فَلا تَذَكَّرُونَ : أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد إيمانهم ، أو أفلا تذكرون فتؤمنون . وما روي في حرف أبي بن كعب « 1 » : أنلزمكموها شطر أنفسنا فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون « 2 » . وفي حرف ابن عباس : أنلزمكموها من شطر أنفسنا أي : من تلقاء أنفسنا « 3 » ، أي : لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يخرج على وجوه : أحدها : يقول : ليس عندي خزائن الله والسعة ، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة . والثاني : يقول : ليس عندي سعة ، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال ، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك . والثالث : يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم . وقوله - عزّ وجل - : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ : هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين : أحدهما : أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [ هود : 12 ] ، وقولهم لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ [ الإسراء : 90 - 91 ] ، وقولهم : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [ الإسراء : 93 ] وأمثال ما كان منهم ، فيقول لهم : ليس ذلك عندي وبيدي ، إنما ذلك عند الله وبيده . وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم ، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه ، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا ، فيقول لهم : ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى الله ، ولا أقول : إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها ، إنما أنا بشر مثلكم .

--> ( 1 ) ينظر اللباب ( 10 / 472 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 30 ) ( 18125 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 591 ) وزاد نسبته لابن المنذر عن أبي بن كعب . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 30 ) ( 18123 ) و ( 18124 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 591 ) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس .