أبي منصور الماتريدي
105
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إيمانهم ، وذلك فيما يحل له الترك ، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها ، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها . وكذلك يخرج قوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ على هذين الوجهين ، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقا على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه . والثاني : على التخفيف ؛ كقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ . . . الآية [ الحجر : 88 ] ، وقوله : وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي [ القصص : 7 ] هو على التخفيف ليس على النهي . وفي قوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ . . . الآية وجه « 1 » آخر : وهو نهي يخرج مخرج البشارة [ له بما ] « 2 » كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه ، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه الله عن ذلك وعصمه . والوجه الثاني : في النهي « 3 » عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء ، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم ، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له ، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه . وقوله - عزّ وجل - : وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ : يضيق صدره بما يقولون له استهزاء ، وكذلك الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه من الكنز « 4 » وإنزال الملك ، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ : لأن للكنز والملك محلّا في قلوب أولئك وقدرا فقالوا : لولا أنزل عليه كنز [ فيعظموه فيصدق على ما يدعي ، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه . وقوله : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ أثر قولهم : لولا أنزل عليه كنز ] « 5 » أو جاء معه ملك أي : إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا ، إنما ذلك تحكم منهم على الله تعالى وأمانيّ ، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك ؛ كقوله : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 48 ] . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي : حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به ، أو هو الوكيل والحفيظ لا أنت ؛ كقوله : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [ الغاشية : 22 ] ، وقوله : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [ الأنعام : 107 ] ونحوه ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في أ : ووجه . ( 2 ) في أ : مما . ( 3 ) في أ : والنهى . ( 4 ) في أ : الملك . ( 5 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .