أبي منصور الماتريدي
106
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي : قالوا : إنه افتراه ، أي : محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه . قُلْ : يا محمد إن كان افتريته على ما تقولون ، فَأْتُوا : أنتم ، بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ : لأنكم أقدر على الافتراء من محمد ؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم الكذب والافتراء ، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء ، فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر [ عليه ] « 1 » ممن لم يعرف به [ قط ] « 2 » ، فأتوا بعشر سور مثله وادعوا أيضا شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون الله يعينوكم على إتيان مثله ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه افتراه من عنده . أو يقول : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ أي أن محمدا قد جاء بسور [ فيها أنباء ] « 3 » ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء واطلاع الله إياه ، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ما أضمر هو وأسر ، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم ، وادعوا من استطعتم ممن تعبدون من دون الله من الآلهة ، إن كنتم صادقين أنه افتراه . أو يقول : إن لسانكم مثل لسان محمد ، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله من عنده ، فتقدرون أنتم على افتراء مثله : فأتوا به ، وادعوا أيضا من لسانه مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك ، إن كنتم صادقين أنه افتراه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ، وقال في موضع آخر : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . قال بعضهم : بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله ، وقوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ دعوا « 4 » أولا أن يأتوا بعشر سور ، فلما عجزوا « 5 » عن ذلك عند ذلك قيل لهم : فَأْتُوا
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : فيه إيتاء . ( 4 ) في ب : ادعوا . ( 5 ) اختلفوا في الوجه الذي كان القرآن لأجله معجزا ، فقيل : هو الفصاحة ، وقيل : الأسلوب ، وقيل : عدم التناقض ، وقيل : اشتماله على الإخبار عن الغيوب ، والمختار عند الأكثرين : أن القرآن معجز من جهة الفصاحة ، واستدلوا بهذه الآية ؛ لأنه لو كان إعجازه هو كثرة العلوم ، أو الإخبار عن الغيوب ، أو عدم التناقض لم يكن لقوله : مُفْتَرَياتٍ معنى ، أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك ؛ لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام ، سواء كان الكلام صدقا أو كذبا ، ثم إنه لما قرر وجه التحدي قال : وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ : واستعينوا بمن استطعتم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ يا أصحاب محمد ، وقيل : لفظه جمع والمراد به الرسول - صلوات الله البر الرحيم -