أبي منصور الماتريدي

97

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يفقهوا معانيها وتدبير مدبرها ، فهم كالأنعام . وأصله : أنهم لما لم يستعملوا تلك الحواس فيما جعلت لهم ، [ وإنما جعلت لهم ] « 1 » لمعرفة حقائق الأشياء ، وما أدرج فيها من المعاني والحكمة ، فصاروا في الحقيقة كمن لا حواس له ؛ إذ « 2 » لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك ؛ [ بل كانوا كمن ليس لهم تلك ] « 3 » ؛ لذلك نفى عنهم ، والله أعلم . وقال قائلون : نفى عنهم هذه الحواس ؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك ؛ بل كانوا كمن ليس لهم تلك الحواس للمعنى الذي جعلت تلك الحواس ، فهم كالأنعام ، بل هم أضل ؛ لأن هؤلاء إذا ضلوا الطريق فهدوا [ وأرشدوا لا يهتدون ولا يرجعون عن ذلك ، والدواب إذا ضلوا الطريق فهدوا اهتدوا ، ] « 4 » وعرفوا ، ومالوا إليه ، فهم أضل من الأنعام لما ذكر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ هُمْ أَضَلُّ لأن بنية الأنعام لا تحتمل فهم ذلك ، وبنية هؤلاء تحتمل ؛ إذ جعل لهم عقولا تميز وتعرف حكمة مدبرها ومنشئها ، لكنهم ضيعوها ، ولم يكن من الأنعام تضييع ؛ لذلك كان أولئك أضل . قال ابن عباس - رضي الله عنه - : قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها لما ختم الله على قلوبهم ؛ كقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] فمن ثمّ « 5 » لم تفقه قلوبهم ، ولم تبصر أعينهم ، ولم تسمع آذانهم . وقال : ثم ضرب لهم مثلا فقال : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في الأكل ؛ لأن همتهم ليست إلا الأكل والشرب ، كهمة الأنعام والبهائم ليست همتهم إلا الأكل والشرب وقضاء الشهوة ، فهي تسمع النداء ولا تعقل ؛ فعلى ذلك الكافر . وقوله - عزّ وجل - : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في فهم ما ألقي إليهم بَلْ هُمْ أَضَلُّ ؛ لأنهم أعطوا سبب فهم ذلك ، والأنعام لا . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ هُمْ أَضَلُّ ؛ لأن الأنعام تعرف ربها ، وتوحده ، وتذكره ؛ لقول الله - تعالى - : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] الآية ، وكقوله : كُلٌّ

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : أو . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في أ : ثمة .