أبي منصور الماتريدي

96

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يقل : ذرأنا الكل ؛ فهذه في فريق ، وهذه في فريق آخر ، وهذا التأويل يرجع إلى الخصوص ؛ ألا ترى أن الصبيان والمجانين لم يدخلوا فيه ؟ ! أو أن يكون قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] أي : إلا لأكلفهم العبادة وآمرهم بها ؛ فإن كان هذا فهي على الكل : على الكافر والمؤمن جميعا ، والله أعلم . ويحتمل : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] أي : ما خلقت الجن والإنس إلا لتشهد خلقتهم على وحدانية الله ، وصرف العبادة إليه ، وقد شهدت خلقة كل كافر ومؤمن على وحدانية [ الله ] « 1 » وألوهيته . وقوله - عزّ وجل - : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها . الفقه « 2 » : هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره ، أو معرفة الشيء بمعناه الدال على مدبره ؛ فهؤلاء الكفرة لم يفقهوا ؛ لما لم ينظروا إلى الأشياء لمعناها وحقائقها ، إنما نظروا إلى الأشياء لظواهرها ، وكذلك قوله : وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها لما نظروا إلى ظواهرها ، لم ينظروا إلى معانيها وحقيقتها ؛ ليدلهم على تدبير منشئها وحكمته . وكذلك قوله : وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ لما كانت للأنعام قلوب وأعين وآذان ، لكن لا يفقهون معناها وحقيقتها ، وإن كانوا يسمعون النداء ، وينظرون ظواهر الأشياء ؛ فعلى ذلك [ هؤلاء ] « 3 » الكفار ، وإن كانوا يسمعون ويبصرون ما ذكرنا بعد أن لم

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) الفقه لغة : الفهم مطلقا ، سواء ما ظهر أو خفي . وهذا ظاهر عبارة القاموس والمصباح المنير ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى - حكاية عن قوم شعيب - : قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ [ هود : 91 ] ، وقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] فالآيتان تدلان على نفي الفهم مطلقا . وذهب بعض العلماء إلى أن الفقه لغة هو فهم الشيء الدقيق ، يقال : فقهت كلامك ، أي : ما يرمي إليه من أغراض وأسرار ، ولا يقال : فقهت السماء والأرض . والمتتبع لآيات القرآن الكريم يدرك أن لفظ الفقه لا يأتي إلا للدلالة على إدراك الشيء الدقيق ، كما في قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [ الأنعام : 98 ] وأما الآيتان السابقتان فليس المنفي فيهما مطلق الفهم ، وإنما المنفي في قول قوم شعيب - عليه السلام - إدراك أسرار دعوته ، وإلا فهم فاهمون لظاهر قوله ، والمنفي في آية الإسراء إدراك أسرار تسبيح كل شيء لله تعالى ؛ وإلا فإن أبسط العقول تدرك أن كل شئ يسبح بحمد الله طوعا أو كرها ؛ لأنها مسخرة له . ينظر : الصحاح ( 6 / 2243 ) ، المستصفى ( 1 / 4 ) ، المغرب ( 2 / 147 ) ، نهاية السول للإسنوي ( 1 / 7 ) ، شرح الكوكب المنير ( 1 / 40 ) . ( 3 ) سقط في أ .