أبي منصور الماتريدي
95
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأما قولهم : إنه إخبار عما آل إليه « 1 » عاقبة أمرهم ، واستشهادهم بقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ . . . [ القصص : 8 ] فهو يصلح : لمن يجهل عواقب الأمور ، يخرج ذلك منه على التنبيه والإيقاظ ؛ لما لم يعرفوا عاقبة ما [ به ] « 2 » صار إليه الأمر ، فأما الله - سبحانه عالم السر والعلانية وما كان ويكون في الأوقات التي تكون - لا يحتمل ذلك . وقول الناس : لدوا للموت ، وابنوا للخراب . فهو إنما يذكرون هذا عند التنبيه والإيقاظ لجهلهم بعواقب الأمور ، وإن كانوا لا يبنون ، ولا يلدون للموت والخراب ، وما قصدوا له . وأما التأويل عندنا على ما ذكر في ظاهر الآية أنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس ، لما علم « 3 » في الأزل أنهم يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار خلقهم لجهنم ؛ لما علم منهم ذلك في الأزل أنهم يختارون الأعمال الخبيثة فذرأهم « 4 » على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم ، وكذلك خلق المؤمنين للجنة ؛ لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الهدى ، ويعملون أعمالا طيبة يستوجبون بها الجنة ، خلقهم للجنة لا أن خلقهم للجنة مرسلا [ أو خلقهم لجهنم مرسلا ، ] « 5 » ولكن لما ذكرنا ، والله أعلم . وأما قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده ويطيعه ، وأما من علم أنه يكفر به ويعصيه فهو إنما خلقه لما علم [ أنه يكون منه ] « 6 » ؛ فمن كان علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة ، ومن كان علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه لذلك ؛ لأنه لا يجوز أن يعلم منه المعصية وفعل الكفر فيخلقه على خلاف ذلك ؛ دل أنه على ما ذكرناه ، والله أعلم . أو أن يقال : قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] الفريق الذي علم منه العبادة ، لا الكل ؛ دليله قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، ولم
--> ( 1 ) في أ : إليه آلت . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : أعلم . ( 4 ) في أ : قدر رآهم . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في أ : أنه خلقه يكون فيه الكفر .