أبي منصور الماتريدي
78
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ . قال قائلون : هو صلة قوله : مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ، والصالحون هم الذين آمنوا بالله ، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه ، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني : الصالحين فَخَلَفَ لم يحفظوا « 1 » حدوده ومحارمه . وقال قائلون : هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل ؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف ، يعني : خلف الرسل والأنبياء وَرِثُوا الْكِتابَ وهو كما ذكر في سورة مريم ، وهو قوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ [ مريم : 59 ] وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَرِثُوا الْكِتابَ علموا ما فيه . يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى . إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة : منهم من كان يأخذها مستحلّا لها ؛ كقوله - تعالى - : أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ [ مريم : 59 ] . وكقوله : إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] . ومنهم من كان يأخذها بالتبديل ، أعني : تبديل الكتاب ؛ كقوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ . . . الآية [ آل عمران : 78 ] ، وقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ البقرة : 79 ] . ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة ، وهاهنا لا يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل ، والأخذ بالاستحلال - هاهنا - أقرب ، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له . وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا يحتمل هذا وجوها : يحتمل ما قالوا : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] . فيغفر لنا ؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها ، ثم يقولون : سيغفر لنا ؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه .
--> ( 1 ) في ب : ولم يحفظوا .